بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
من فتاوى دار الإفتاء لمدة مائة عام
الباب: من احكام المقابر والجنائز وتكفين الموتى ونقلهم

رقم الفتوى: ( 3298 )
الموضوع:
أحياء ذكرى الميت وزيارة القبور ومدة الحداد.
المفتى:
فضيلة الشيخ محمد مجاهد.19 ربيع الأول 1406 هجرية
المبادئ :
1 - الأخمسة وذكرى الأربعين والذكرى السنوية للميت أمور غير مشروعة وفيها تجديد للحزن وضياع للمال ولا ينال الميت منها مثوبة أو رحمة.
2 - التعزية مرة واحدة وتكون عند التشييع أو عند المقابلة الأولى لمن لم يحضره.
3 - ينتفع الميت بما كان سببا فيه من أعمال البر فى حياته كما ينتفع بأعمال غيره اذا دعا واستغفر له وتصديق عليه.
4 - زيارة القبور مستحبة للعظة والاعتبار ومحرمة على النساء اذا لم يؤمن منها الفتنة أو اشتملت على محرم.
5 - الاحداد يكون بترك الزينة ولمدة ثلاثة أيام على من مات من الأقارب وأن كان الميت زوجا حد عليه من زوجته أربعة أشهر وعشرة أيام.
سُئل :
من السيد / عبد المنعم بطلبه المقيد برقم 230 لسنة 1985 م المتضمن استفساره عن الحكم الشرعى فيما يقوم به أهل الميت من عمل أخمسة - وذكرى الأربعين - والذكرى السنوية وزيارة القبور فى أول رجب ونصف شعبان والأعياد والمواسم وغير ذلك وتوزيع المأكولات واستئجار مقرئين على القبور ولبس ملابس الحداد لفترات طويلة. وما هى الطريقة الشرعية التى تتبع حيال الميت لينال الثواب وما هى مدة الحداد لأفراد أسرة الميت.
أجاب :
ان الناس قد اعتادوا أمور كثيرة فى المآتم وغيرها. ولم يعتمدوا فى أكثرها إلا على مجرد الاستحسان الشخصى أو الطائفى - وأخذت هذه العادات تنتقل من جيل إلى جيل حتى عمت وصارت تقاليد يأخذها حاضر الناس عن ماضهيم ناظرين اليها الى أنها سنة الآباء والأجداد ولم يجدوا من ينكر المنكر منها عليهم ولعلها وجدت من يبيحها أو يستحسنها ويقويها - ففعلها واعتادها غير المتفقين وسايرهم فيها المتفقهون واحتملوا اثمها واثم من ابتكرها وفعلها إلى يوم الدين. وجاء الإسلام وللناس عادات بعضها حسن طيب مفيد فأقرها وبعضها سئ خبيث ضار فأنكرها وحاربها وألغاها وهذا هو شأن الإسلام فى كل ما جد ويجد فى ظله من عادات. الحسن يقره ويسميه. ( سنة حسنة ) وجعل لمن سنها أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة والسئ يدفعه وينكره ويسميه ( سنة سيئة ) وجعل على من سنها وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة. وان ما يقوم به أهل الميت من خميس صغير وكبير وذكرى الأربعين والذكرى السنوية للمتوفى والخروج للمقابر فى المواسم والأعياد كل ذلك من البدع المذمومة التى لا أصل لها ولا سند لها فى الشرع الإسلامى لا فى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا فى عهد الصحابة رضوان اله عليهم ولم يؤثر عن التابعين وهذه أمور مستحدثة منذ عهد قريب وفيها من المضار ما يوجب النهى عنها. من ضياع للأموال فى غير وجهها المشروع وربما كان أهل الميت فى حاجة ماسة اليه وفيه مع ذلك تجديد للأحزان وتكرار للعزاء وهو أمر غير مشروع لحديث ( التعزية مرة ) وتكون عند التشييع أو عند المقابلة الأولى لمن لم يحضر التشييع. لهذا نهيب بالمسلمين أن يقلعوا عن هذه العادات الذميمة التى لا ينال الميت منها رحمة أو مثوبة ولا ينال الحى منها سوى المضرة فليس لذلك أساس فى الدين ( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) أما ما ينبغى عمله لأجل الميت فمن المتفق عليه ان الميت ينتفع بما كان سببا فيه من أعمال البر فى حياته. قال صلى الله عليه وسلم ( اذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية، أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له ) وكذلك يلحقه ثواب مصحف ورثه أو مسجد بناه، أو بيت بناه لابن السبيل أو صدقة أخرجها من ماله فى صحته. وكذا ينتفع بأعمال غيره اذا دعا له واستغفر - والصدقة عليه كمساعدة المحتاج واطعام الجوعان وارواء الظمآن لكل ذلك ثواب يصل إلى الميت ولا يشترط ذلك عند المقابر فاذا دعى له أو تصدق عنه فى أى مكان وصل له ثواب الصدقة. وكذلك الحج عنه وقراءة القرآن بخشوع وتدبر واخلاص ويقول القارى بعد فراغه اللهم أوصل مثل ثواب ما قرأته إلى فلان ولا يشترط فى القراءة أن تكون عند القبر وانما تجزئ فى أى مكان ويشترط أن تكون من انسان يعى كلام الله ويقرؤه بصدق واخلاص ولا يتأتى هذا الا من ولده أو قريب له أو مخلص له ، فأفضل ما يهدى للميت سقى الماء واطعام الطعام والدعاء والاستغفار له بصدق من الداعى واخلاص منه ، أما عن زيارة المقابر فانها مستحبه للرجال لقوله صلى الله عليه وسلم ( كنت نهيتكم عن زيارة القبور ، فزوروها فانها تذكركم الآخرة ) ولما كان المقصود من الزيارة التذكرة والاعتبار فقد رخصها أكثر العلماء للنساء لحديث عائشة : كيف أقول لهم يا رسول الله - أى عند زيارتها للقبور قال : ( قولى السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين - ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين وانا ان شاء الله بكم لاحقون ). ويشترط فيها للنساء أمن الفتنة منهن وعدم اشتمالها على محرم من ندب ونياحة وخلاعة ومجون أما إذا كانت زيارة النساء للمقابر لا يؤمن منها الفتنة او اشتملت على محرم فانها تحرم ويمنع منها النساء منعا باتا حتى لا يؤذين الأموات بخلاعتهن وسفورهن وهيئتهن الفاضحة حيث يختلط الرجال بالنساء والشبان بالشابات ويأكلن ويشربن ويقمن ويقعدن على المقابر فاذا كانت الزيارة بهذه المثابة فتركها محتم لأن ضررها أشد وأعظم. وعلى هؤلاء الزائرات تنزل اللعنات من الله والملائكة وتحفهم الشياطين من كل جانب وعلى تلك الزيارة يحمل الحيث النبوى الشريف ( لعن الله زوارات القبور ) فاللعن المذكور فى الحديث انما هو للمكثرات من الزيارة ولعل السبب ما ينفى اليه ذلك من تضييع حقوق الزوج والأولاد وخروجهن متبرجات فاذا أمن جميع ذلك فلا مانع من الأذن لهن لأن تذكر الموت يحتاج اليه الرجال والنساء. وزيارة المقابر ليس لها وقت محدد فى مستحبة فى كل وقت لتحقيق العظة والاعتبار ونرى عدم استحبابها خاصة للنساء أيام عيدى المسلمين فانها أيام سرور فلا داعى لتجدد الأحزان فيها. أما عن الاحداد على الميت : فالاحداد الشرعى : هو ترك لبس ما فيه زينة من الثياب وترك الكحل والطيب والحلى وما أشبه ذلك. وهو مباح لمدة ثلاثة أيام بلياليها من الوفاة على من مات من الأقارب ويحرم بعد ذلك. ما لم يكن الميت زوجا فان امرأته تحد عليه أربعة أشهر وعشرة أيام وجوبا لقوله صلى الله عليه وسلم ( لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد فوق ثلاثة أيام إلا على زوجها فانها تحد أربعة أشهر وعشرا ). والله سبحانه وتعالى أعلم.