بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
من فتاوى دار الإفتاء لمدة مائة عام
الباب: من احكام المقابر والجنائز وتكفين الموتى ونقلهم

رقم الفتوى: ( 1041 )
الموضوع:
المقابر المندثرة.
المفتى:
فضيلة الشيخ أحمد هريدى.23 جمادى الأولى 1380 هجرية
المبادئ :
1 - المقبرة التى اندثرت ولم يبق فيها أثر للموتى، واستغنى الناس عنها بالدفن فى غيرها. إن لم تكن هذه المقبرة موقوفة من أحد كانت أرضها لبيت المال، وتعتبر وقفا وإرصادا على الدفن. وإن كانت قد وقفت من مالكها لتكون مقبرة فقد اختلف فقهاء الحنفية فى ذلك. قال الإمام أبو يوسف ببقائها وقفا أبدا على هذه الجهة. وقال الإمام محمد ببطلان وقفها حينئذ وعودها إلى ملك الواقف إن كان حيا، أو ورثته إن كان ميتا، وإلا أخذت حكم اللقطة، فتصرف للعاجز من الفقراء فقط على رأى، أو إلى المصالح العامة على رأى آخر.
2 - الأخذ برأى محمد أوفق وأرفق بالناس، لما فيه من تحقيق المصلحة لهم.
سُئل :
بالطلب المقيد برقم 1146 سنة 1960 المتضمن أن مقبرة داخل سكن البلد اندثرت ولا حجة بوقفها. وقد ترك الدفن بها للاستغناء عنها بعمل مقابر أخرى خارج مساكن البلد. وأنه لا يوجد بهذه المقبرة موتى أو رفاتهم بعد أن زال تخصيصها للدفن. وطلب السائل الإفادة عن حكم أرض هذه المقبرة. وهل تبقى بعد ذلك وقفا، أم تصير ملكا لصاحبها إن كان حيا ولورثته من بعده.
أجاب :
إذا لم تكن أرض هذه المقبرة موقوفة من أحد كانت أرضها لبيت المال، وبتصريح ولى الأمر بالدفن فيها وتخصيصها لتكون مقبرة للمسلمين تعتبر وقفا وإرصادا على هذا الدفن. فقد نص الفقهاء على أن لولى الأمر أن يرصد أرضا من بيت المال على جهة عامة كمسجد ومقبرة أو لينتفع بها من يستحق فى بيت المال كالمدرسين والغزاة ونحوهم. وقالوا إن مثل هذا الإرصاد يجب تأبيده لمصلحة الجهة المرصد عليها لأنه ليس وقفا من جميع الوجوه، إذ الأرض ليست مملوكة لمن رصدها فى الحقيقة، ولكن تأخذ حكم الوقف من أكثر الوجوه. وإذا استغنى الناس عن الدفن فى هذه الأرض بما أنشئ لهم من مقبرة أخرى جاز لولى الأمر أن يحولها إلى جهة من جهات بيت المال العامة، إذا لم يبق فيها أثر للموتى ولا شئ من العظام، ولم يترتب على تحويلها إلى الجهة الأخرى نبش القبور وإخراج العظام لأن هذا غير جائز. فالتصرف فى الأرض فى هذه الحالة من حق بيت المال. أما إذا كانت أرض هذه المقبرة قد وقفت من مالكها لتكون مقبرة، ثم بطل الدفن فيها واستغنى الناس عنها بغيرها، واندثرت بحيث لم يبق فيها عظام ولا أثر للموتى، ولا يرجى الدفن فيها مستقبلا، فقد حصل خلاف بين فقهاء الحنفية فالإمام أبو يوسف يقول ببقائها وقفا أبدا على هذه الجهة كما فى المسجد إذا تخرب واستغنى الناس عنه، فإنه يقول ببقائه وقفا أبدا على تلك الجهة، والإمام محمد يقول ببطلان وقفها حينئذ وعودها إلى ملك الواقف إن كان حيا أو ورثته إن كان ميتا وإذا لم يكن له ورثة فتأخذ عنده حكم اللقطة - أى تصرف للعاجز من الفقراء فقط على رأى أو إلى المصالح العامة على رأى آخر. فعلى رأى محمد فى المسجد يتخرب ويستغنى الناس عن الصلاة فيه إن لم يعرف بانيه، أو عرف ولا وارث له، واجتمع أهل المحلة أو القرية على بيعه والاستعانة بثمنه فى المسجد الآخر فلا بأس. وأكثر العلماء على قول أبى يوسف. وقالوا إن الفتوى على مذهبه وصحح جماعة من الفقهاء مذهب محمد. وعلى رأى الإمام محمد إذا لم يعرف واقف لأرض هذه المقبرة، أو عرف ولا وارث له جاز لأهل القرية أو المحلة أن يجتمعوا على بيعها، والاستعانة بثمنها فى إصلاح المقبرة التى أقيمت لهم واستغنوا بها ولا شك فى أنه يلزم على مذهب أبى يوسف تعطيل هذه الأرض، وتركها مهملة لا ينتفع بها، ولذلك كان مذهب محمد محققا للمصلحة، والأخذ به أوفق وأرفق بالناس. وقد مشى عليه الخصاف فى المسجد الذى تخرب واستغنى الناس عنه. فقال فى كتابه صفحة 322 إنه يعود إلى بانيه. وبهذا علم الجواب عن السؤال. والله أعلم.