بّسم الله الرّحمن الرّحيم
موسوعة تفسير الأحلام
تأويل الاشارات في علم العبارات
بيان معرفة الرؤيا ومجاريها وقوتها وضعفها


مقدمة كتاب الاشارات في علم العبارات
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي خلق آدم من طين ثم نفخ فيه من روحه، ثم اصطفاه للرسالة كما اصطفى إدريس من بعده ونوحا، واتخذ إبراهيم خليلا، وموسى كليماً، وإسماعيل ذبيحاً، ونصر هودا على عاد، وألان الحديد لداود، ووسع لسليمان في الأرض روحاً، وسخر له ريحا، وأيد صالحاً بآياته، وهارون برسالاته، وجعل المسيح آية وروحاً، ونجى يوسف من الجب وعلمه من تأويل الأحاديث، فكان في أموره نجيحا، وأسعف لقمان من الأنام، وآتاه الحكمة في المنام فاستيقظ حكيماً فصيحا، وخص محمدا صلى الله عليه وسلم بالحوض المورود، وبوأه من الجنة مقعدا فسيحا، وأنزل عليه في محكم كتابه العزيز ( وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ) وجعل علم التعبير من العلوم الشرعية ولم يظهر لها منازعا ولا مزيحاً أحمده على كل حال، وأشكره على نعمه التي ليس لها زوال وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له شهادة خالصة في السر والاعلان، مقراً بها القلب واللسان، وأشهد ان محمدا عبده ورسوله الذي جاز من المكارم والمفاخر الرتبة العليا، وجاهد في سبيل الله بقلبه وقالبه فما أبقى بقيا، وكان عليه الصلاة والسلام في كل يوم يقول لأصحابه: " أيكم رأى رؤيا "، صلى الله عليه وسلم وعلى آله الأخيار صلاة دائمة آناء الليل وأطراف النهار.
يقول الفقير إلى الله تعالى خليل بن شاهين الظاهري لطف الله به قوله تعالى: ( فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين ) وقوله تعالى في تكذيب الكهانة ( ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون ).
قال الواحدي: الكاهن هو الذي يخبر عن المغيبات، وقد ذم الشرع الكل لتفرده تعالى بعلم الغيب فأعرضت عن ذلك ولم ألتفت إليه وأردت أن أجمع كتابا يشتمل على علم يظهر به المغيبات وله أصل في الشريعة وهو علم التأويل والتعبير وسميته كتاب الإشارات في علم العبارات، واعتمدت في ذلك على كتب المتقدمين وأقوال المشايخ المعتبرين مثل كتاب الأصول لدانيال الحكيم، وكتاب التقسيم لجعفر الصادق، كتاب الجوامع لمحمد بن سيرين، وكتاب الدستور لإبراهيم الكرماني، وكتاب الإرشاد لجابر المغربي، وكتاب التعبير لإسماعيل بن الأشعث، وكتاب كنز الرؤيا للمأموني، وكتاب بيان التعبير لعبدوس، وكتاب جمل الدلائل وكتاب مبادئ التعبير، وكتاب كافي الرؤيا، وكتاب التعبير للطاموسي، وكتاب مقرمط الرؤيا، وكتاب تحفة الملوك، وكتاب منهاج التعبير لخالد الأصفهاني، وكتاب مقدمة التعبير، وكتاب حقائق الرؤيا، وكتاب الوجيز لمحمد بن شامويه، وكتاب التعبير لأبي سعيد الواعظ، وكتاب كامل التعبير للشيخ أبي الفضل حبيش بن إبراهيم بن أحمد النقيشي، وكتاب الإشارات إلى علم العبارات لأبي عبد الله بن أحمد بن عامر السالمي، وكتاب الدر المنظم في السر المعظم لمحمد القرشي النصيبي، وغير ذلك مثل الشيخ أوحد الدين عبد اللطيف الدمياطي، والشيخ عبد القادر الأشموني، والشيخ يوسف الكروني السكندري، والشيخ محمد الفرعوني، والشيخ حسن الرملي، والشيخ نور الدين الكرخي الغزاوي، والشيخ تقي الدين المقدسي، والشيخ شرف الدين الكركي، والشيخ شمس الدين حمدون الصفدي وغير ذلك، وأضفت إلى ذلك ما اتفق لي ولغيري من الرؤيا الصحيحة التي ظهرت كفلق الصبح، فما اتفقوا عليه بينته بقول واحد، وما اختلفوا فيه بينته وبينت تعبير كل واحد على حده، وما ظهر معناه أولته بديل أو معنى واضح أشرت في أوله بقوله قال بعض المعبرين أو قال بعضهم.
فصل في إيضاح أدلة تدل على أن علم الرؤيا أصل في الشريعة
منها قوله تعالى: ( وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث ) قال الواحدي: هو تأويل الرؤيا، وقوله تعالى ( لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ) قال بعض المفسرين يعني الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة.
قال الشهرزوري في شرحه للأربعين حديثا وكذا زين العرب في شرحه للمصابيح: إن مدة ابتداء وحي الرسول عليه السلام إلى مفارقته الدنيا كانت ثلاثا وعشرين سنة، وكانت ستة أشهر منها في أول الأمر يوحى إليه مناما، فهي جزء من ستة وأربعين جزءا من جملة أيام الوحي، لأنه عاش ثلاثا وستين سنة على أكثر الروايات، وأوحى إليه بعد أربعين سنة.
ومنها قوله عليه الصلاة والسلام: من لم يؤمن بالرؤيا الصالحة لم يؤمن بالله واليوم الآخر.
ومنها قوله عليه الصلاة والسلام: لم يبق من النبوة إلا المبشرات قال الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له.
ومنها قوله عليه الصلاة والسلام أصدقكم حديثاً أصدقكم رؤيا وإذا اقترب الزمان لم تكد تكذب رؤيا المؤمن ولا ينبغي لأحد أن يكذب رؤياه ويزعم أنه رأى غير ما رأى فإن الرؤيا وحي يوحيه الله له في المنام.
ومنها قوله عليه الصلاة والسلام في صحيح البخاري أن من تحلم بحلم لم يره كلف أن يعقد بين شعيرتين ولم يفعل.
ومعنى الحلم هو معنى الرؤيا لكن غلب استعمال الرؤيا في المحبوبة والحلم في المكروهة.
وقال عمر رضي الله عنه: ألا أخبركم أن الإنسان إذا نام عرج بروحه إلى السماء فما رأى قبل أن يصل إلى السماء فذلك حلم، وما رأى بعد أن يصل إلى السماء فذلك الذي يكون. وفي قول ابن سيرين بيان أن ليس كل ما يراه الإنسان يكون صحيحا ويجوز تعبيره، إنما الصحيح منه ما كان من الله تعالى يأتيك به ملك الرؤيا وهو روحائيل من نسخة أم الكتاب يعني من اللوح المحفوظ وما سوى ذلك أضغاث أحلام لا تأويل لها.
فصل في بيان معرفة الرؤيا ومجاريها وقوتها وضعفها
وبينت ما كان مستقيماً واضحا، وألغيت ما كان أضغاثاً مختلطاً وتأملت ذلك بتوفيق الله تعالى، واعلم أن أصدق الرؤيا إن نمت على جنبك الأيمن لقول ابن سيرين: من نام على جنبه الأيمن فرأى رؤيا فهي من الله تعالى، ومن نام على جنبه الأيسر أو على ظهره ورأى رؤيا فإنها من قبل الأرواح، وربما يصح بعض ذلك وما كان منها في منامه على بطنه فهو أضغاث أحلام، وأصدق ما تكون الرؤيا في الربيع والصيف لما تقدم من الحديث الشريف وقد ذهب بعضهم بأن تفسير ذلك على هذا الوجه وأضعف ما تكون في الخريف والشتاء، وقد قال ابن سيرين وغيره أقوى ما تكون الرؤيا عند إدراك الثمار واجتماع أمرها، وأضعف ما تكون عند سقوط ورقها وذهاب ثمارها، وقيل إن الله تعالى وكل على كل مدر وشجر ملكاً لحفظه من الجن لئلا يفسدونه، فإذا انقضى أوانها وارتفعت الملائكة الموكلون بها بعدت النفوس وتغيرت الأمزجة، فتظهر الأحلام السوء والاضغاث.
وأقرب ما تخرج الرؤيا أي تظهر الرؤيا إذا رؤيت آخر الليل فإنه ينتظر بها، وروى أن ابن سيرين قال: من رأى رؤيا أول الليل فإنه ينتظر بها إلى عشرين سنة مما دون ذلك، ويقاس على الليل وعلى السنين ويعرف ما مضى من الليل وينقص من السنين بقدره مثاله، إذا مضى من الليل نصفه ينتظر الرؤيا إلى عشر سنين فما دون ذلك، ويقاس على ذلك ومن رأى رؤيا بعد الصبح فإن ينتظر لها مدة شهر وما دون ذلك، وكذلك رؤية النهار وقد ظهرت رؤية يوسف عليه السلام بعد عشرين سنة، فلأجل ذلك حد آخر انتظار الرؤيا عشرين سنة.
وقال الكرماني: أصح ما تكون الرؤيا عند استغراق النوم لقول علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: ما زال الإنسان يرى الشيء فيكون ويرى الشيء فلا يكون. والجواب عن ذلك في قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
وقد يبطل تأويل الرؤيا إذا كان الإنسان قد عمل فيما يراه في منامه وشغل به في اليقظة سره وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: إن الرؤيا ثلاثة فالرؤيا الصالحة بشرى من الله تعالى والرؤيا من تخويف الشيطان والرؤيا مما يحدث بها الرجل نفسه.
وقال بعض المعبرين: الرؤيا الصالحة على قسمين، قسم بشرى وقسم تحذير. وقد تخرج الرؤيا على مآرب كثيرة وقد رأى كسرى في المنام زوال ملكه وظهور محمد صلى الله عليه وسلم وكان كذلك، وقد رأى النمروذ حين رمى الخليل إبراهيم عليه السلام بمنجنيق أن الخليل في روضة خضراء وفيها عين جارية فكان كذلك، ورأى فرعون أنه دخل البحر وجنوده فغرقوا فكان الأمر كذلك، وإن لم تخرج الرؤيا لصاحبها خرجت لبنيه أو لنظيره أو لأحد من عشيرته، وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم في منامه أن ابن أبي العيص في الجنة بعد موته وكان مشركاً فأولها صلى الله عليه وسلم عتاب بن أسيد لأنه كان نظيره، وإن عبرت الرؤيا في المنام فإنها تخرج على نحو ما عبرت به إذا كان المعبر ممن يركن إليه وسيمته الخير، وإن رأى الإنسان رؤيا مما تدل على خير أو غيره ثم انتظرها فرآها على صفة ما رأى أولاً فتكون قد عبرت، ولا يكون ذلك تكرار عند بعض المعبرين، وليست الرؤيا تبطل بتأويل ما أول بما يخالف التعبير إذ لو كان ذلك لبطلت رؤيا عزيز مصر لقول المعبرين اضغاث أحلام، وإن الشيطان يتمثل في الرؤيا بكل شيء إلا بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله، وفي الحديث: إذا رأى أحدكم ما يكره فليقم وليتفل ولا يحدث به الناس. وفي الحديث: المنام على رجل طائر إذا قص وقع. وأول بعضهم قص الرجل الوقوع وفي حديث آخر ما يدل معناه أن الإنسان إذا رأى في منامه ما يكره فلا يحدث به أحداً وأن يبصق عن يساره ويتعوذ من الشيطان فإنه لا يضره إن شاء الله تعالى.
وينبغي أن يكون المعبر ذا حذاقة وفطنة، صدوقا في كلامه، حسنا في أفعاله، مشتهراً بالديانة والصيانة بحيث لا ينكر عليه فيما يعبره لشهرة صدقه، ولذلك سمى الله يوسف بالصديق، وأن يكون عارفا بالأصول في علم التعبير، وأن يميز رؤية كل أحد بحسب حاله وما يليق به وما يناسبه ولا يساوي الناس فيما يرونه، ويعتبر في تعبيره على ما يظهر له من آيات القرآن وتفسيره ومن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما ينقله المتقدمون في كتبهم وقد يقع بوادر، ويعتمد على تعبيرها من الألفاظ الجليلة الظاهرة بين الناس وما نقل عن الأدباء في أشعارهم وغير ذلك من أشياء تناسب في المعنى كما سنذكر إن شاء الله تعالى بعض ذلك في باب النوادر، ولو اعتمد المعبرون على ما ضبط في الكتب خاصة لعجزوا عن أشياء كثيرة لم تذكر في الكتب، لأن علم التعبير واختلاف رؤيا الناس كبحر ليس له شاطئ وقد وضعت هذا الكتاب ملخصا وبوبته ثمانين بابا وجعلت لكل باب ما يناسبه من معانيه وأسأل الله العصمة من الخطأ والنسيان فإنه حسبي ونعم الوكيل.


مُختصر كتاب الاشارات في علم العبارات
تأليف خليل بن شاهين الظاهري
منتدى قوت القلوب . البوابة