الكتاب الأول: القواعد من الثالثة الى الخامسة

شاطر
avatar
الإدارة
Admin

عدد المساهمات : 1359
تاريخ التسجيل : 01/01/2014

الكتاب الأول: القواعد من الثالثة الى الخامسة

مُساهمة من طرف الإدارة في السبت 1 نوفمبر 2014 - 12:56


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
مكتبة العلوم الشرعية
الأشباه والنظائر للسيوطي
الكتاب الأول في شرح القواعد الخمس
القواعد من الثالثة الى الخامسة

● [ القاعدة الثالثة ] ●
المشقة تجلب التيسير

الأصل في هذه القاعدة قوله تعالى يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر وقوله تعالى وما جعل عليكم في الدين من حرج وقوله بعثت بالحنيفية السمحة أخرجه أحمد في مسنده من حديث جابر بن عبدالله ومن حديث أبي أمامة والديلمي وفي مسند الفردوس من حديث عائشة رضي الله عنها وأخرج أحمد في مسنده والطبراني والبزار وغيرهما عن ابن عباس قال قيل يا رسول الله أي الأديان أحب إلى الله قال الحنيفية السمحة وأخرجه البزار من وجه آخر بلفظ أي الإسلام وروى الطبراني في الأوسط من حديث أبي هريرة رضي الله عنه إن أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة وروى الشيخان وغيرهما من حديث أبي هريرة وغيره إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين وحديث يسروا ولا تعسروا، وروى أحمد من حديث أبي هريرة مرفوعا إن دين الله يسر ثلاثا وروى أيضا من حديث الأعرابي بسند صحيح إن خير دينكم أيسره إن خير دينكم أيسره وروى ابن مردويه من حديث محجن بن الأدرع مرفوعا إن الله إنما أراد بهذه الأمة اليسر ولم يرد بهم العسر وروى الشيخان عن عائشة رضي الله عنها ما خير رسول الله بين أمرين إلا اختار أيسرهما مالم يكن إثما وروى الطبراني عن ابن عباس مرفوعا إن الله شرع الدين فجعله سهلا سمحا واسعا ولم يجعله ضيقا قال العلماء يتخرج على هذه القاعدة جميع رخص الشرع وتخفيفاته واعلم أن:
أسباب التخفيف في العبادات وغيرها سبعة.
● الأول السفر قال النووي ورخصه ثمانية منها ما يختص بالطويل قطعا وهو القصر والفطر والمسح أكثر من يوم وليلة.
ومنها ما لا يختص به قطعا وهو ترك الجمعة وأكل الميتة.
ومنها ما فيه خلاف والأصح اختصاصه به وهو الجمع.
ومنها ما فيه خلاف والأصح عدم اختصاصه به وهو التنفل على الدابة وإسقاط الفرض بالتيمم واستدرك ابن الوكيل رخصة تاسعة صرح بها الغزالي وهي ما إذا كان له نسوة وأراد السفر فإنه يقرع بينهن ويأخذ من خرجت لها القرعة ولا يلزمه القضاء لضراتها إذا رجع وهل يختص ذلك بالطويل وجهان أصحهما لا.
● الثاني المرض ورخصه كثيرة التيمم عند مشقة استعمال الماء وعدم الكراهة في الاستعانة بمن يصب عليه أو يغسل أعضاءه والقعود في صلاة الفرض وخطبة الجمعة والاضطجاع في الصلاة والإيماء والجمع بين الصلاتين على وجه اختاره النووي والسبكي والأسنوي والبلقيني ونقل عن النص وصح فيه الحديث وهو المختار والتخلف عن الجماعة والجمعة مع حصول الفضيلة كما تقدم والفطر في رمضان وترك الصوم للشيخ الهرم مع الفدية والانتقال من الصوم إلى الإطعام في الكفارة والخروج من المعتكف وعدم قطع التتابع المشروط في الاعتكاف والاستنابة في الحج وفي رمي الجمار وإباحة محظورات الإحرام مع الفدية والتحلل على وجه فإن شرطه فعلى المشهور والتداوي بالنجاسات وبالخمر على وجه وإساغة اللقمة بها إذا غص بالاتفاق وإباحة النظر حتى للعورة والسوأتين.
● الثالث الإكراه. الرابع النسيان. الخامس الجهل. وسيأتي لها مباحث.
● السادس العسر وعموم البلوى كالصلاة مع النجاسة المعفو عنها كدم القروح والدمامل والبراغيث والقيح والصديد وقليل دم الأجنبي وطين الشارع وأثر نجاسة عسر زواله وذرق الطيور إذا عم في المساجد والمطاف وما يصيب الحب في الدوس من روث البقر وبوله ومن ذلك العفو عما لا يدركه الطرف وما لا نفس له سائلة وريق النائم وفم الهرة ومن ثم لا يتعدى إلى حيوان لا يعم اختلاطه بالناس كما قال الغزالي وأفواه الصبيان وغبار السرجين ونحوه وقليل الدخان أو الشعر النجس ومنفذ الحيوان ومن ثم لا يعفى عن منفذ الآدمي لإمكان صونه عن الماء ونحوه وروث ما نشوءه في الماء والمائع وما في جوف السمك الصغار على وجه اختاره الروياني ومن ذلك مشروعية الاستجمار بالحجر وإباحة الاستقبال والاستدبار في قضاء الحاجة في البنيان ومس المصحف للصبي المحدث ومن ثم لا يباح له إذا لم يكن متعلما كما نقله في المهمات عن مفهوم كلامهم وجواز المسح على العمامة لمشقة استيعاب الرأس ومسح الخف في الحضر لمشقة نزعه في كل وضوء ومن ثم وجب نزعه في الغسل لعدم تكرره وأنه لا يحكم على الماء بالاستعمال ما دام مترددا على العضو ولا يضره التغيير بالمكث والطين والطحلب وكل ما يعسر صونه عنه وإباحة الأفعال الكثيرة والاستدبار في صلاة شدة الخوف وإباحة النافلة على الدابة في السفر وفي الحضر على وجه وإباحة القعود فيهما مع القدرة وكذا الاضطجاع والإبراد بالظهر في شدة الحر ومن ثم لا إبراد بالجمعة لاستحباب التبكير إليها والجمع في المطر وترك الجماعة والجمعة بالأعذار المعروفة وعدم وجوب قضاء الصلاة على الحائض لتكررها بخلاف الصوم وبخلاف المستحاضة لندرة ذلك وأكل الميتة ومال الغير مع ضمان البدل إذا اضطر وأكل الولي من مال اليتيم بقدر أجرة عمله إذا احتاج وجواز تقديم نية الصوم على أوله ونية صوم النفل بالنهار وإباحة التحلل من الحج بالإحصار والفوات ولبس الحرير للحكة والقتال وبيع نحو الرمان والبيض في قشره والموصوف في الذمة وهو السلم مع النهي عن بيع الغرر والاكتفاء برؤية ظاهر الصبرة وأنموذج المتماثل وبارز الدار عن أسها ومشروعية الخيار لما كان البيع يقع غالبا من غير ترو ويحصل فيه الندم فيشق على العاقد فسهل الشارع ذلك عليه بجواز الفسخ في مجلسه، وشرع له أيضا شرطه ثلاثة أيام ومشروعية الرد بالعيب والتحالف والإقالة والحوالة والرهن والضمان والإبراء والقرض والشركة والصلح والحجر والوكالة والإجارة والمساقاة والمزارعة والقراض والعارية والوديعة للمشقة العظيمة في أن كل أحد لا ينتفع إلا بما هو ملكه ولا يستوفي إلا ممن عليه حقه ولا يأخذه إلا بكماله ولا يتعاطى أموره إلا بنفسه فسهل الأمر بإباحة الانتفاع بملك الغير بطريق الإجارة أو الإعارة أو القراض وبالاستعانة بالغير وكالة وإيداعا وشركة وقراضا ومساقاة وبالاستيفاء من غير المديون حوالة وبالتوثق على الدين برهن وضامن وكفيل وحجر وبإسقاط بعض الدين صلحا أو كله إبراء ومن التخفيف جواز العقود الجائزة لأن لزومها يشق ويكون سببا لعدم تعاطيها ولزوم اللازم وإلا لم يستقر بيع ولا غيره.
ومنه إباحة النظر عند الخطبة وللتعليم والإشهاد والمعاملة والمعالجة وللسيد.
ومنه جواز العقد على المنكوحة من غير نظر لما في اشتراطه من المشقة التي لا يحتملها كثير من الناس في بناتهم وأخواتهم من نظر كل خاطب فناسب التيسير لعدم اشتراطه بخلاف المبيع فإن اشتراط الرؤية فيه لا يفضي إلى عسر ومشقة.
ومنه إباحة أربع نسوة فلم يقتصر على واحدة تيسيرا على الرجال وعلى النساء أيضا لكثرتهن ولم يزد على أربع لما فيه من المشقة على الزوجين في القسم وغيره ومنه مشروعية الطلاق لما في البقاء على الزوجية من المشقة عند التنافر وكذا مشروعية الخلع والافتداء والفسخ بالعيب ونحوه والرجعة في العدة لما كان الطلاق يقع غالبا بغتة في الخصام والجرح ويشق عليه التزامه فشرعت له الرجعة في تطليقتين ولم تشرع دائما لما فيه من المشقة على الزوجة إذا قصد إضرارها بالرجعة والطلاق كما كان ذلك في أول الإسلام ثم نسخ.
ومنه مشروعية الإجبار على الوطء أو الطلاق في المولى.
ومنه مشروعية الكفارة في الظهار واليمين تيسيرا على المكلفين لما في التزام موجب ذلك من المشقة عند الندم وكذا مشروعية التخيير في كفارة اليمين لتكرره بخلاف كفارة الظهار والقتل والجماع لندرة وقوعها ولأن المقصود الزجر عنها ومشروعية التخيير في نذر اللجاج بين ما التزم والكفارة لما في الالتزام بالمنذور لجاجا من المشقة ومنه مشروعية التخيير بين القصاص والدية تيسيرا على هذه الأمة على الجاني والمجني عليه وكان في شرع موسى عليه السلام القصاص متحتما ولا دية، وفي شرع عيسى عليه السلام الدية ولا قصاص.
ومنه مشروعية الكتابة ليتخلص العبد من دوام الرق لما فيه من العسر فيرغب السيد الذي لا يسمح بالعتق مجانا بما يبذل له من النجوم ومنه مشروعية الوصية عند الموت ليتدارك الإنسان ما فرط منه في حال الحياة وفسح فه في الثلث دون ما زاد عليه دفعا لضرر الورثة فحصل التيسير ودفع المشقة في الجانبين.
ومنه إسقاط الإثم عن المجتهدين في الخطأ والتيسير عليهم بالاكتفاء بالظن ولو كلفوا الأخذ باليقين لشق وعسر الوصول إليه فقد بان بهذا أن هذه القاعدة يرجع إليها غالب أبواب الفقه السبب.
● السابع النقص فإنه نوع من المشقة إذ النفوس مجبولة على حب الكمال فناسبه التخفيف في التكليفات فمن ذلك عدم تكليف الصبي والمجنون وعدم تكليف النساء بكثير مما يجب على الرجال كالجماعة والجمعة والجهاد والجزية وتحمل العقل وغير ذلك وإباحة لبس الحرير وحلي الذهب وعدم تكليف الأرقاء بكثير مما على الأحرار ككونه على النصف من الحر في الحدود والعدد وغير ذلك مما سيأتي في الكتاب الرابع.
وهذه فوائد مهمة نختم بها الكلام على هذه القاعدة.
الأولى في ضبط المشاق المقتضية للتخفيف المشاق على قسمين مشقة لا تنفك عنها العبادة غالبا كمشقة البرد في الوضوء والغسل ومشقة الصوم في شدة الحر وطول النهار ومشقة السفر التي لا نفكاك للحج والجهاد عنها ومشقة ألم الحدود ورجم الزناة وقتل الجناة فلا أثر لهذه في إسقاط العبادات في كل الأوقات ومن استثنى من ذلك جواز التيمم للخوف من شدة البرد فلم يصب لأن المراد أن يخاف من شدة البرد حصول مرض من الأمراض التي تبيح التيمم وهذا أمر ينفك عنه الاغتسال في الغالب أما ألم البرد الذي لا يخاف معه المرض المذكور فلا يبيح التيمم بحال وهو الذي لا يبيح الانتقال إلى التيمم وأما المشقة التي لا تنفك عنها العبادات غالبا فعلى مراتب.
الأولى مشقة عظيمة فادحة كمشقة الخوف على النفوس والأطراف ومنافع الأعضاء فهي موجبة للتخفيف والترخيص قطعا لأن حفظ النفوس والأطراف لإقامة مصالح الدين أولى من تعريضها للفوات في عبادة أو عبادات يفوت بها أمثالها.
الثانية مشقة خفيفة لا وقع لها كأدنى وجع في إصبع وأدنى صداع في الرأس أو سوء مزاج خفيف فهذه لا أثر لها ولا التفات إليها لأن تحصيل مصالح العبادات أولى من دفع مثل هذه المفسدة التي لا أثر لها.
الثالثة متوسطة بين هاتين المرتبتين فما دنا من المرتبة العليا أوجب التخفيف أو من الدنيا لم يوجبه كحمى خفيفة ووجع الضرس اليسير وما تردد في إلحاقه بأيهما اختلف فيه ولا ضبط لهذه المراتب إلا بالتقرب وقد أشار الشيخ عز الدين إلى أن الأولى في ضبط مشاق العبادات أن تضبط مشقة كل عبادة بأدنى المشاق المعتبرة في تخفيف تلك العبادة فإن كانت مثلها أو أزيد ثبتت الرخصة ولذلك اعتبر في مشقة المرض المبيح للفطر في الصوم أن يكون كزيادة مشقة الصوم في السفر عليه في الحضر وفي إبحة محظورات الإحرام أن يحصل بتركها مثل مشقة القمل الوارد فيه الرخصة وأما أصل الحج فلا يكتفى في تركه بذلك بل لا بد من مشقة لا يحتمل مثلها كالخوف على النفس والمال وعدم الزاد والراحلة وفي إباحة ترك القيام إلى القعود أن يحصل به ما يشوش الخشوع وإلى الاضطجاع أشق لأنه مناف لتعظيم العبادات بخلاف القعود فإنه مباح بلا عذر كما في التشهد فلم يشترط فيه العجز بالكلية وكذلك اكتفي في إباحة النظر إلى الوجه والكفين بأصل الحاجة واشترط في سائر الأعضاء تأكدها وضبطه الإمام بالقدر الذي يجوز الانتقال معه إلى التيمم واشترط في السوأتين مزيد التأكيد وضبطه الغزالي بما لا يعد التكشف بسببه هتكا للمروءة ويعذر فيه في العادة تنبيه من المشكل على هذا الضابط التيمم فإنهم اشترطوا في المرض المبيح له أن يخاف معه تلف نفس أو عضو أو منفعته أو حدوث مرض مخوف أو بطء البرء أو شين فاحش في عضو ظاهر ومشقة السفر دون ذلك بكثير قال العلائي ولعل الفارق بين السفر والمرض أن المقصود أن لا ينقطع المسافر عن رفقته ولا يحصل له ما يعوق عليه التقلب في السفر بالمعايش فاغتفر فيه أخف مما يلحق المريض أشار إلى ذلك إمام الحرمين وأشكل من هذا أنهم لم يوجبوا شراء الماء بزيادة يسيرة على ثمن المثل وجوزوا التيمم ومنعوه فيما إذا خاف شيئا فاحشا في عضو باطن مع أن ضرره أشد من ضرر بذل الزيادة اليسيرة جدا خصوصا إذا كان رقيقا فإنه ينقص بذلك قيمته أضعاف قدر الزيادة المذكورة وقد استشكله الشيخ عز الدين وغيره ولا جواب عنه تنبيه ضبط في الروضة وأصلها نقلا عن الأصحاب المرض المبيح للفطر ولأكل الميتة بالمبيح للتيمم.
الفائدة الثانية قال الشيخ عز الدين تخفيفات الشرع ستة أنواع الأول تخفيف إسقاط كإسقاط الجمعة والحج والعمرة والجهاد بالأعذار الثاني تخفيف تنقيص كالقصر الثالث تخفيف إبدال كإبدال الوضوء والغسل بالتيمم والقيام في الصلاة بالقعود والاضطجاع أو الإيماء والصيام بالإطعام الرابع تخفيف تقديم كالجمع وتقديم الزكاة على الحول وزكاة الفطر في رمضان والكفارة على الحنث الخامس تخفيف تأخير كالجمع وتأخير رمضان للمريض والمسافر وتأخير الصلاة في حق مشتغل بإنقاذ غريق أو نحوه من الأعذار الآتية السادس تخفيف ترخيص كصلاة المستجمر مع بقية النجو وشرب الخمر للغصة وأكل النجاسة للتداوي ونحو ذلك واستدرك العلائي سابعا وهو تخفيف تغيير كتغيير نظم الصلاة في الخوف.
الفائدة الثالثة الرخص أقسام ما يجب فعلها كأكل الميتة للمضطر والفطر لمن خاف الهلاك بغلبة الجوع والعطش وإن كان مقيما صحيحا وإساغة الغصة بالخمر وما يندب كالقصر في السفر والفطر لمن يشق عليه الصوم في سفر أو مرض والإبراد بالظهر والنظر إلى المخطوبة وما يباح كالسلم وأما الأولى تركها كالمسح على الخف والجمع والفطر لمن لا يتضرر والتيمم لمن وجد الماء يباع بأكثر من ثمن المثل وهو قادر عليه وما يكره فعلها كالقصر في أقل من ثلاثة مراحل.
الفائدة الرابعة تعاطي سبب الرخصة لقصد الترخيص فقط هل يبيحه فيه صور تقدمت في أواخر القاعدة الأولى.
الفائدة الخامسة بمعنى هذه القاعدة قول الشافعي رضي الله عنه إذا ضاق الأمر اتسع وقد أجاب بها في ثلاثة مواضع:
أحدها فيما إذا فقدت المرأة وليها في سفر فولت أمرها رجلا يجوز قال يونس بن عبد الأعلى فقلت له كيف هذا قال إذا ضاق الأمر اتسع.
الثاني في أواني الخزف المعمولة بالسرجين أيجوز الوضوء منها فقال إذا ضاق الأمر اتسع حكاه في البحر.
الثالث حكى بعض شراح المختصر أن الشافعي سئل عن الذباب يجلس على غائط ثم يقع على الثوب فقال إن كان في طيرانه ما يجف فيه رجلاه وإلا فالشيء إذا ضاق اتسع ولهم عكس هذه القاعدة إذا اتسع الأمر ضاق قال ابن أبي هريرة في تعليقه وضعت الأشياء في الأصول على أنها إذا ضاقت اتسعت وإذا اتسعت ضاقت ألا ترى أن قليل العمل في الصلاة لما اضطر إليه سومح به وكثيره لما لم يكن به حاجة لم يسامح به وكذلك قليل البراغيث وكثيره وجمع الغزالي في الإحياء بين القاعدتين بقوله كل ما تجاوز عن حده انعكس إلى ضده ونظير هاتين القاعدتين في التعاكس قولهم يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء وقولهم يغتفر في الابتداء ما لا يغتفر في الدوام وسيأتي ذكر فروعها.


● [ القاعدة الرابعة ] ●
الضرر يزال

أصلها قوله لا ضرر ولا ضرار أخرجه مالك في الموطأ عن عمرو بن يحيى عن أبيه مرسلا وأخرجه الحاكم في المستدرك والبيهقي والدارقطني من حديث أبي سعيد الخدري وأخرجه ابن ماجه من حديث ابن عباس وعبادة بن الصامت اعلم أن هذه القاعدة ينبني عليها كثير من أبواب الفقه من ذلك الرد بالعيب وجميع أنواع الخيار من اختلاف الوصف المشروط والتعزير وإفلاس المشتري وغير ذلك والحجر بأنواعه والشفعة لأنها شرعت لدفع ضرر القسمة والقصاص والحدود والكفارات وضمان المتلف والقسمة ونصب الأئمة والقضاة ودفع الصائل وقتال المشركين والبغاة وفسخ النكاح بالعيوب أو الإعسار أو غير ذلك وهي مع القاعدة التي قبلها متحدة أو متداخلة.
ويتعلق بهذه القاعدة قواعد
الأولى:
الضروريات تبيح المحظورات بشرط عدم نقصانها عنها
ومن ثم جاز أكل الميتة عند المخمصة وإساغة اللقمة بالخمر والتلفظ بكلمة الكفر للإكراه وكذا إتلاف المال وأخذ مال الممتنع من أداء الدين بغير إذنه ودفع الصائل ولو أدى إلى قتله ولو عم الحرام قطرا بحيث لا يوجد فيه حلال إلا نادرا فإنه يجوز استعمال ما يحتاج إليه ولا يقتصر على الضرورة قال الإمام ولا يرتقى إلى التبسط وأكل الملاذ بل يقتصر على قدر الحاجة قال ابن عبدالسلام وفرض المسألة أن يتوقع معرفة صاحب المال في المستقبل فأما عند اليأس فالمال حينئذ للمصالح لأن من جملة أموال بيت المال ما جهل مالكه ويجوز إتلاف شجر الكفار وبنائهم لحاجة القتال والظفر بهم وكذا الحيوان الذي يقاتلون عليه ونبش الميت بعد دفنه للضرورة بأن دفن بلا غسل أو لغير القبلة أو في أرض أو ثوب مغصوب وغصب الخيط لخياطة جرح حيوان محترم وقولنا بشرط عدم نقصانها عنها ليخرج ما لو كان الميت نبيا فإنه لا يحل أكله للمضطر لأن حرمته أعظم في نظر الشرع من مهجة المضطر وما لو أكره على القتل أو الزنا فلا يباح واحد منهما بالإكراه لما فيهما من المفسدة التي تقابل حفظ مهجة المكره أو تزيد عليها وما لو دفن بلا تكفين فلا ينبش فإن مفسدة هتك حرمته أشد من عدم تكفينه الذي قام الستر بالتراب مقامه.
الثانية:
ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها
ومن فروعه المضطر لا يأكل من الميتة إلا قدر سد الرمق ومن استشير في خاطب واكتفى بالتعريض كقوله لا يصلح لك لم يعدل إلى التصريح ويجوز أخذ نبات الحرم لعلف البهائم ولا يجوز أخذه لبيعه لمن يعلف والطعام في دار الحرب يؤخذ على سبيل الحاجة لأنه أبيح للضرورة فإذا وصل عمران الإسلام امتنع ومن معه بقية ردها ويعفى عن محل استجماره ولو حمل مستجمرا في الصلاة بطلت ويعفى عن الطحلب في الماء فلو أخذ ورق وطرح فيه وغيره ضر ويعفى عن ميت لا نفس له سائلة فإن طرح ضر ولو فصد أجنبي امرأة وجب أن تستر جميع ساعدها ولا يكشف إلا ما لا بد منه للفصد والجبيرة يجب أن لا تستر من الصحيح إلا ما لا بد منه للاستمساك والمجنون لا يجوز تزويجه أكثر من واحدة لاندفاع الحاجة بها وإذا قلنا يجوز تعدد الجمعة لعسر الاجتماع في مكان واحد لم يجز إلا بقدر ما يندفع فلو اندفع بجمعتين لم يجز بالثالثة صرح به الإمام وجزم به السبكي والأسنوي ومن جاز له اقتناء الكلب للصيد لم يجز له أن يقتني زيادة على القدر الذي يصطاد به صرح به بعضهم وخرجه في الخادم على هذه القاعدة.
تنبيه خرج عن هذا الأصل صور منها العرايا فإنها أبيحت للفقراء ثم جازت للأغنياء في الأصح.
ومنها الخلع فإنه أبيح مع المرأة على سبيل الرخصة ثم جاز مع الأجنبي.
ومنها اللعان جوز حيث تعسر إقامة البينة على زناها ثم جاز حيث يمكن على الأصح.
فائدة قال بعضهم المراتب خمسة ضرورة وحاجة ومنفعة وزينة وفضول فالضرورة بلوغه حدا إن لم يتناوله الممنوع هلك أو قارب وهذا يبيح تناول الحرام والحاجة كالجائع الذي لو لم يجد ما يأكله لم يهلك غير أنه يكون في جهد ومشقة وهذا لا يبيع الحرام ويبيح الفطر في الصوم والمنفعة كالذي يشتهي خبز البر ولحم الغنم والطعام الدسم والزينة كالمشتهي الحلوى والسكر والثوب المنسوج من حرير وكتان والفضول التوسع بأكل الحرام والشبهة تذنيب قريب من هذه القاعدة ما جاز لعذر بطل بزواله كالتيمم يبطل بوجود الماء قبل الدخول في الصلاة ونظيره الشهادة على الشهادة لمرض ونحوه يبطل إذا حضر الأصل عند الحاكم قبل الحكم
الثالثة:
الضرر لا يزال بالضرر
قال ابن السبكي وهو كعائد يعود على قولهم الضرر يزال ولكن لا بضرر فشأنهما شأن الأخص مع الأعم بل هما سواء لأنه لو أزيل بالضرر لما صدق الضرر يزال ومن فروع هذه القاعدة عدم وجوب العمارة على الشريك في الجديد وعدم إجبار الجار على وضع الجذوع وعدم إجبار السيد على نكاح العبد والأمة التي لا تحل له ولا يأكل المضطر طعام مضطر آخر إلا أن يكون نبيا فإنه يجوز له أخذه ويجب على من معه بذله له ولا قطع فلذة من فخذه ولا قتل ولده أو عبيده ولا قطع فلذة من نفسه إن كان الخوف من القطع كالخوف من ترك الأكل أو أكثر وكذا قطع السلعة المخوفة ولو مال حائط إلى الشارع أو ملك غيره لم يجب إصلاحه ولو سقطت جرة ولم تندفع عنه إلا بكسرها ضمنها في الأصح ولو وقع دينار في محبرة ولم يخرج إلا بكسرها كسرت وعلى صاحبه الأرش فلو كان بفعل صاحب المحبرة فلا شيء ولو أدخلت بهيمة رأسها في قدر ولم يخرج إلا بكسرها فإن كان صاحبها معها فهو مفرط بترك الحفظ فإن كانت غير مأكولة كسرت القدر وعليه أرش النقص أو مأكولة ففي ذبحها وجهان وإن لم يكن معها فإن فرط صاحب القدر كسرت ولا أرش وإلا فله الأرش ولو التقت دابتان على شاهق ولم يمكن تخليص واحدة إلا بإتلاف الأخرى لم يفت واحد منهما بل من ألقى دابة صاحبه وخلص دابته ضمن ولو سقط على جريح فإن استمر قتله وإن انتقل قتل غيره فقيل يستمر لأن الضرر لا يزال بالضرر وقيل يتخير للاستواء وقال الإمام لا حكم فيه في هذه المسئلة ولو كانت ضيقة الفرج لا يمكن وطؤها إلا بإفضائها فليس له الوطء ولو رهن المفلس المبيع أو غرس أو بنى فيه فليس للبائع الرجوع في صورة صحة الرهن لأن فيه إضرارا بالمرتهن ولا في صورة الغرس ويبقى الغرس والبناء للمفلس لأنه ينقص قيمتها ويضر بالمفلس والغرماء.
تنبيه قال ابن السبكي يستثنى من ذلك ما لو كان أحدهما أعظم ضررا وعبارة ابن الكتاني لا بد من النظر لأخفهما وأغلظهما ولهذا شرع القصاص والحدود وقتال البغاة وقاطع الطريق ودفع الصائل والشفعة والفسخ بعيب المبيع والنكاح والإعسار والإجبار على قضاء الديون والنفقة الواجبة ومسئلة الظفر وأخذ المضطر طعام غيره وقتاله عليه وقطع شجرة الغير إذا حصلت في هواء داره وشق بطن الميت إذا بلع مالا أو كان في بطنها ولو ترجى حياته ورمي الكفار إذا تترسوا لنساء وصبيان أو بأسرى المسلمين ولو كان له عشر دار لا يصلح للسكنى والباقي لآخر وطلب صاحب الأكثر القسمة أجيب في الأصح وإن كان فيه ضرر شريكه ولو أحاط الكفار بالمسلمين ولا مقاومة بهم جاز دفع المال إليهم وكذا استنقاذ الأسرى منهم بالمال إذا لم يمكن بغيره لأن مفسدة بقائهم في أيديهم واصطلامهم للمسلمين أعظم من بذل المال والخلع في الحيض لا يحرم لأن إنقاذها منه مقدم على مفسدة تطويل العدة عليها ولو وقع في نار تحرقه ولم يخلص إلا بماء يغرقه ورآه أهون عليه من الصبر على لفحات النار فله الانتقال إليه في الأصح ولو وجد المضطر ميتة وطعام غائب فالأصح أنه يأكل الميتة لأنها مباحة بالنص وطعام الغير بالاجتهاد أو المحرم ميتة وصيدا فالأصح كذلك لأنه يرتكب في الصيد محظورين القتل والأكل ونشأ من ذلكز
الرابعة:
وهي إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمهما ضررا بارتكاب أخفهما ونظيرها.
الخامسة:
وهي درء المفاسد أولى من جلب المصالح فإذا تعارض مفسدة ومصلحة قدم دفع المفسدة غالبا لأن اعتناء الشارع بالمنهيات أشد من اعتنائه بالمأمورات ولذلك قال إذا أمرتكم بأمر فئتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه ومن ثم سومح في ترك بعض الواجبات بأدنى مشقة كالقيام في الصلاة والفطر والطهارة ولم يسامح في الإقدام على المنهيات وخصوصا الكبائر ومن فروع ذلك المبالغة في المضمضة والاستنشاق مسنونة وتكره للصائم تخليل الشعر سنة في الطهارة ويكره للمحرم وقد يراعى المصلحة لغلبتها على المفسدة من ذلك الصلاة مع اختلال شرط من شروطها من الطهارة والستر والاستقبال فإن في كل ذلك مفسدة لما فيه من الإخلال بجلال الله في أن لا يناجى إلا على أكمل الأحوال ومتى تعذر شيء من ذلك جازت الصلاة بدونه تقديما لمصلحة الصلاة على هذه المفسدة ومنه الكذب مفسدة محرمة ومتى تضمن جلب مصلحة تربو عليه جاز كالكذب للإصلاح بين الناس وعلى الزوجة لإصلاحها وهذا النوع راجع إلى ارتكاب أخف المفسدتين في الحقيقة.


● [ القاعدة الخامسة ] ●
الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة

من الأولى مشروعية الإجارة والجعالة والحوالة ونحوها جوزت على خلاف القياس لما في الأولى من ورود العقد على منافع معدومة وفي الثانية من الجهالة وفي الثالثة من بيع الدين بالدين لعموم الحاجة إلى ذلك والحاجة إذا عمت كانت كالضرورة ومنها ضمان الدرك جوز على خلاف القياس إذ البائع إذا باع ملك نفسه ليس ما أخذه من الثمن دينا عليه حتى يضمن لكن لاحتياج الناس إلى معاملة من لا يعرفونه ولا يؤمن خروج المبيع مستحقا ومنها مسئلة الصلح وإباحة النظر للمعاملة ونحوها وغير ذلك ومن الثانية تضبيب الإناء بالفضة يجوز للحاجة ولا يعتبر العجز عن غير الفضة لأنه يبيح أصل الإناء من النقدين قطعا بل المراد الأغراض المتعلقة بالتضبيب سوى التزيين كإصلاح موضع الكسر والشد والتوثق ومنها الأكل من الغنيمة في دار الحرب جائز للحاجة ولا يشترط للآكل أن لا يكون معه غيره تنبيه من المشكل قول المنهاج ويباح النظر لتعليم مع قولهم في الصداق ولو أصدقها تعليم قرآن فطلق قبله تعذر تعليمه في الأصح وأجاب السبكي بأنه إنما تعذر لأن القرآن وإن أمكن تنصيفه من جهة الحروف والكلمات لكنه يختلف سهولة وصعوبة وتابعه في المهمات فقال لأن القيام بتعليم نصف مشاع لا يمكن والقول باستحقاق نصف معين تحكم لا دليل عليه ويؤدي إلى النزاع فإن السورة الواحدة مختلفة الآيات في الطول والقصر والصعوبة والسهولة فتعين البدل واعترض هذا الجواب بأنه خاص بالطلاق قبل الدخول وقد صرحوا بتعذر التعليم ولو طلق بعد الدخول والمستحق بعد الدخول تعليم الكل وأجاب الشيخ الإمام جلال الدين المحلي في شرح المنهاج بأن ما ذكره النووي من إباحة النظر للتعليم تفرد به وهو خاص بالأمرد لأنه لما حرم النظر إليه مطلقا ولو بلا شهوة استشعر أن يورد عليه أن الأمرد يحتاج إلى مخالطة الرجال للتعليم ويشق عليه الاحتجاب والتستر وما زال السلف والعلماء على مخالطة المرد ومجالستهم وتعليمهم فاستثنى النظر للتعليم لذلك وأما المرأة فلا تحتاج إلى التعلم كاحتياج الأمرد وأما الواجبات فلا تعدم من يعلمها إياها من محرم أو زوج أو غيره من وراء حجاب وكان شيخنا قاضي القضاة شرف الدين المناوي يأبى هذا الجواب ويقول بعموم الإباحة للمرأة أيضا ويجيب عن مسئلة الصداق بأن المطلقة امتدت إليها الأطماع فناسب أن لا يؤذن في النظر إليها بخلاف غيرها والتحقيق ما قاله الشيخ جلال الدين وقد أشار إلى نحو ما قاله السبكي فقال قد كشفت كتب المذهب فإنما يظهر منها جواز النظر للتعليم فيما يجب تعلمه وتعليمه كالفاتحة وما يتعين من الصنائع بشرط التعذر من وراء حجاب وأما غير ذلك فإن كلامهم يقتضي المنع ثم استشهد بالمذكور في الصداق.

● [ يتم متابعة الكتاب الأول ] ●


الأشباه والنظائر
تأليف : السيوطي
منتديات الرسالة الخاتمة . البوابة



    الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة 22 سبتمبر 2017 - 10:20