القاعدة الثانية من الكتاب الأول

شاطر
avatar
الإدارة
Admin

عدد المساهمات : 1396
تاريخ التسجيل : 01/01/2014

القاعدة الثانية من الكتاب الأول

مُساهمة من طرف الإدارة في السبت 1 نوفمبر 2014 - 12:48


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
مكتبة العلوم الشرعية
الأشباه والنظائر للسيوطي
الكتاب الأول في شرح القواعد الخمس

● [ القاعدة الثانية ] ●
اليقين لا يزال بالشك

عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى أثلاثا أم أربعا فليطرح الشك وليبن على ما استيقن وروى الترمذي عن عبدالرحمن بن عوف قال سمعت رسول الله يقول إذا سها أحدكم في صلاته فلم يدر واحدة صلى أم اثنتين فليبن على واحدة فإن لم يتيقن صلى اثنتين أم ثلاثا فليبن على اثنتين فإن لم يدر أثلاثا صلى أم أربعا فليبن على ثلاث وليسجد سجدتين قبل أن يسلم اعلم أن هذه القاعدة تدخل في جميع أبواب الفقه والمسائل المخرجة عليها تبلغ ثلاثة أرباع الفقه وأكثر ولو سردتها هنا لطال الشرح ولكني أسوق منها جملة صالحة فأقول يندرج في هذه القاعدة عدة قواعد منها قولهم الأصل بقاء ما كان على ما كان فمن أمثلة ذلك من تيقن الطهارة وشك في الحدث فهو متطهر أو تيقن في الحدث وشك في الطهارة فهو محدث ومن فروع الشك في الحدث أن يشك هل نام أو نعس أو ما رآه رؤيا أو حديث نفس أو لمس محرما أو غيره أو رجلا أو امرأة أو بشرا أو شعرا أو هل نام ممكنا أو لا أو زالت إحدى أليتيه وشك هل كان قبل اليقظة أو بعدها أو مس الخنثى أحد فرجيه ثم مس مرة ثانية وشك هل الممسوس ثانيا الأول أو الآخر ومن ذلك عدم النقض بمس الخنثى أو لمسه أو جماعه ومن ذلك مسئلة من تيقن الطهارة والحدث وشك في السابق والأصح أنه يؤمر بالتذكر فيما قبلهما فإن كان محدثا فهو الآن متطهر لأنه تيقن الطهارة بعد ذلك الحدث وشك في انتقاضها لأنه لا يدري هل الحدث الثاني قبلها أو بعدها وإن كان متطهرا فإن كان يعتاد التجديد فهو الآن محدث لأنه تيقن حدثا بعد تلك الطهارة وشك في زواله لأنه لا يدري هل الطهارة الثانية متأخرة عنه أم لا بأن يكون والى بين الطهارتين ونظير ذلك ما لو علمنا لزيد على عمرو ألفا فأقام عمرو بينة بالأداء أو الإبراء فأقام زيد بينة أن عمرا أقر له بألف مطلقا لم يثبت بهذه البينة شيء لاحتمال أن الألف الذي أقر به هو الألف الذي علمنا وجوبه وقامت البينة بإبرائه فلا نشغل ذمته بالاحتمال وفرع في البحر على قولنا يأخذ بالضد فرعا حسنا وهو ما إذا قال عرفت قبل هاتين الحالتين حدثنا وطهرا أيضا ولا أدري أيهما السابق قال فيعتبر ما كان قبلهما أيضا ونأخذ بمثله بعكس ما تقدم وهو في الحقيقة ضد هذه الحالة قال في الخادم والحاصل أنه في الأوتار يأخذ بضد ما قبله وفي الأشفاع يأخذ بمثله شك في الطاهر المغير للماء هل هو قليل أو كثير فالأصل بقاء الطهورية أحرم بالعمرة ثم بالحج وشك هل كان أحرم بالحج قبل طوافها فيكون صحيحا أبو بعده فيكون باطلا حكم بصحته قال الماوردي لأن الأصل جواز الإحرام بالحج حتى يتيقن أنه كان بعده قال وهو كمن تزوج وأحرم ولم يدر هل أحرم قبل تزويجه أو بعده فإن الشافعي نص على صحة نكاحه لأن الأصل عدم الإحرام ونص فيمن وكل في النكاح ثم لم يدر أكان وقع عقد النكاح بعد ما أحرم أو قبله أنه صحيح أيضا أحرم بالحج ثم شك هل كان في أشهر الحج أو قبلها كان حجا لأنه على يقين من هذا الزمان وعلى شك من تقدمه ذكره في شرح المهذب أكل آخر الليل وشك في طلوع الفجر صح صومه لأن الأصل بقاء الليل وكذا في الوقوف أكل آخر النهار بلا اجتهاد وشك في الغروب بطل صومه لأن الأصل بقاء النهار نوى ثم شك هل طلع الفجر أم لا صح صومه بلا خلاف تعاشر الزوجان مدة مديدة ثم ادعت عدم الكسوة والنفقة فالقول قولها لأن الأصل بقاؤهما في ذمته وعدم أدائهما زوج الأب ابنته معتقدا بكارتها فشهد أربع نسوة بثيوبتها عند العقد لم يبطل لجواز إذالتها بإصبع أو ظفر والأصل البكارة اختلف الزوجان في التمكين فقالت سلمت نفسي إليك من وقت كذا وأنكر فالقول قوله لأن الأصل عدم التمكين ولدت وطلقها فقال طلقت بعد الولادة فلي الرجعة وقالت قبلها فلا رجعة ولم يعينا وقتا للولادة ولا للطلاق فالقول قوله لأن الأصل بقاء سلطنة النكاح فإن اتفقا على يوم الولادة كيوم الجمعة وقال طلقت يوم السبت وقالت الخميس فالقول قوله لأن الأصل بقاء النكاح يوم الخميس وعدم الطلاق أو على وقت الطلاق واختلفا في وقت الولادة فالقول قولها لأن الأصل عدم الولادة إذ ذاك أسلم إليه في لحم فجاء به فقال المسلم هذا لحم ميتة أو مذكى مجوسي وأنكر المسلم إليه فالقول قول المسلم القابض قطع به الزبيري في المسكت والهروي في الأشراف والعبادي في آداب القضاء قال لأن الشاة في حال حياتها محرمة فيتمسك بأصل التحريم إلى أن يتحقق زواله اشترى ماء وادعى نجاسته ليرده فالقول قول البائع لأن الأصل طهارة الماء ادعت الرجعية امتداد الطهر وعدم انقضاء العدة صدقت ولها النفقة لأن الأصل بقاؤها وكل شخصا في شراء جارية ووصفها فاشترى الوكيل جارية بالصفة ومات قبل أن يسلمها للموكل لم يحل للموكل وطؤها لاحتمال أنه اشتراها لنفسه وإن كان شراء الوكيل الجارية بالصفات الموكل بها ظاهرا في الحل ولكن الأصل التحريم ذكره في الإحياء.
قاعدة: الأصل براءة الذمة
ولذلك لم يقبل في شغل الذمة شاهد واحد مالم يعتضد بآخر أو يمين المدعي ولذا أيضا كان القول قول المدعى عليه لموافقته الأصل وفي ذلك فروع منها اختلفا في قيمة المتلف حيث تجب قيمته على متلفه كالمستعير والمستام والغاصب والمودع المتعدي فالقول قول الغارم لأن الأصل براءة ذمته مما زاد.
ومنها توجهت اليمين على المدعى عليه فنكل لا يقضى بمجرد نكوله لأن الأصل براءة ذمته بل تعرض على المدعي.
ومنها من صيغ القرض ملكتكه على أن ترد بدله فلو اختلفا في ذكر البدل فالقول قول الآخذ لأن الأصل براءة ذمته.
ومنها لو قال الجاني هكذا أوضحت وقال المجني عليه بل أوضحت موضحتين وأنا رفعت الحاجز بينهما صدق الجاني لأن الأصل براءة ذمته لطيفة قال ابن الصائغ فيما نقلته من خطه نظير قول الفقهاء إن الأصل براءة الذمة فلا يقوى الشاهد على شغلها مالم يعتضد بسبب آخر قول النحاة الأصل في الأسماء الصرف يقوى سبب واحد على خروجه عن أصله حتى يعتضد بسبب آخر قاعدة قال الشافعي رضي الله عنه أصل ما انبنى عليه الإقرار أني أعمل اليقين وأطرح الشك ولا أستعمل الغلبة وهذه قاعدة مطردة عند الأصحاب ومرجعها إلى أن الأصل براءة الذمة كقولهم فيما لو أقر أنه وهبه وملكه لم يكن مقرا بالقبض لأنه ربما اعتقد أن الهبة لا تتوقف على القبض وأصل الإقرار البناء على اليقين فلو أقر لابنه بعين فيمكن تنزيل الإقرار على البيع وهو سبب قوي يمنع الرجوع وعلى الهبة فلا يمنع الرجوع فأفتى أبو سعيد الهروي بإثبات الرجوع تنزيلا على أقل السببين وأضعف الملكين وأفتى أبو عاصم العبادي بعدمه لأن الأصل بقاء الملك للمقر له وحكى الرافعي عن الماوردي والقاضي أبي الطيب موافقة أبي سعيد ثم قال ويمكن أن يتوسط فيقال إن أقر بانتقال الملك منه إلى الابن فالأمر كما قال القاضيان وإن أقر بالملك المطلق فالأمر كما قال العبادي وقال النووي في فتاويه الأصح المختار قول الهروي وقبول تفسيره بالهبة ورجوعه مطلقا ومن الفروع أن إقرار الحاكم بالشيء إن كان على جهة الحكم كان حكما وإن لم يكن بأن كان في معرض الحكايات والإخبار عن الأمور المتقدمة لم يكن حكما قاله الرافعي في أواخر الإقرار قال الأسنوي وهذا من القواعد المهمة قال فإذا شككنا في ذلك لم يكن حكما لأن الأصل بقاؤه على الإخبار وعدم نقله إلى الإنشاء.
ومنها لو أقر بمال أو مال عظيم أو كثير أو كبير قبل تفسيره بما يتمول وإن قل ولو قال له عندي سيف في غمد أو ثوب في صندوق لا يلزمه الظرف أو غمد فيه سيف أو صندوق فيه ثوب لزمه الظرف وحده أو خاتم فيه فص لم يلزمه الفص أو عبد على رأسه عمامة لم تلزمه العمامة أو دابة في حافرها نعل أو جارية في بطنها حمل لم يلزمه النعل والحمل ولو أقر له بألف ثم أقر له بألف في يوم آخر لزمه ألف فقط أو بأكثر دخل الأقل في الأكثر وفروع القاعدة كثيرة تنبيه سئل السبكي عن اتفاق الأصحاب على أن من قال له على دراهم يلزمه ثلاثة ولم يقل بلزوم درهمين مع أن بضع أصحابنا قال إن أقل الجمع اثنان وإن كان المشهور أنه ثلاثة فلم لا قيل بلزوم درهمين على كلا القولين بجواز أن يكون تجوز وأطلق الجمع على الاثنين فإن ذلك مجاز شائع بالاتفاق من القائلين بالمنع مع أن الإقرار مبني على اليقين فأجاب بأن الإقرار إنما يحمل على الحقيقة واحتمال المجاز لا يقتضي الحمل عليه إذ لو فتح هذا الباب لم يتمسك بإقرار وقد قال الهروي إن أصل هذا ما قاله الشافعي إنه يلزم في الإقرار باليقين وظاهر المعلوم وهو الظن القوي ولا يلزم بمجرد الظن كما لا يلزم في حال الشك إذ الأصل براءة الذمة هذه عبارته قال وهذا الذي قاله الهروي صحيح واحتمال إرادة المجاز دون الشك لأنه وهم فكيف يعمل به بل لو قال أردت بقولي دراهم درهمين لم يقبل لكن له تحليف غريمه وكون الإقرار مبينا على اليقين لا يقدح في هذا لأن هذا يقين فإنه موضوع اللفظ لغة وليس المراد باليقين القطع ولو أريد القطع فقد تقدم في كلام الهروي أنه يأخذ باليقين وبالظن القوي وحمل اللفظ على المجاز إنم ايكون لقرينة أما بغير قرينة فيحمل على الحقيقة قطعا وهذا هو المراد باليقين انتهى.
قاعدة: من شك هل فعل شيئا أو لا فالأصل أنه لم يفعله
ويدخل فيها قاعدة أخرى
من تيقن الفعل وشك في القليل أو الكثير حمل على القليل
لأنه المتيقن اللهم إلا أن تشتغل الذمة بالأصل فلا تبرأ إلا بيقين وهذا الاستثناء راجع إلى قاعدة ثالثة ذكرها الشافعي رضي الله عنه وهي أن ما ثبت بيقين لا يرتفع إلا بيقين فمن فروع ذلك شك في ترك مأمور في الصلاة سجد للسهو أو ارتكاب فعل منهي فلا يسجد لأن الأصل عدم فعلهما.
ومنها سها وشك هل سجد للسهو يسجد ومنها شك في أثناء الوضوء أو الصلاة أو غيرهما من العبادات في ترك ركن وجبت إعادته فلو علمه وشك في عينه أخذ بالأسوإ فإن احتمل أنه النية وجب الاستئناف فلو ترك سجدة وشك هل هي من الركعة الأخيرة أو غيرها لزمه ركعة لاحتمال أن تكون من غيرها فتكمل بركعة تليها ويلغو باقيها ولو شك في محل سجدتين أو ثلاث وجب ركعتان لاحتمال ترك سجدة من الأولى وسجدة من الثانية فيكمل الأولى بالثانية والثالثة بالرابعة ويلغو الباقي وكذا لو انضم إلى ذلك ترك سجدة أخرى هكذا أطبق عليه الأصحاب وأورد على ذلك أن الصواب في ثلاث لزوم ركعتين وسجدة لأن أسوأ الأحوال أن يكون المتروك السجدة الأولى من الركعة الأولى والثانية من الثانية وواحدة من الرابعة فيبقى عليه من الركعة الأولى الجلوس بين السجدتين والسجدة الثانية فلما قدرنا أنه ترك السجدة الثانية من الركعة الثانية لم يمكن أن يكمل لسجدتها الأولى الركعة الأولى لفقدان الجلوس بين السجدتين قبلها نعم بعدها جلوس محسوب فيحصل له من الركعتين ركعة إلا سجدة فيكملها بسجدة من الثالثة ويلغو باقيها ثم ترك واحدة من الرابعة فيبقى عليه ركعتان وسجدة وقد اعتمد الأصفوني هذا الإيراد في مختصر الروضة والأسنوي في تصحيح التنبيه وقال في شرح المنهاج إنه عمل عقلي واضح لا شك فيه وأجاب عنه النشائي بأن هذا خلاف التصوير فإنهم حصروا المتروك في ثلاث سجدات وهذا يستدعي ترك فرض آخر واتفاقهم على أن المتروك من الأولى واحدة يبطل هذا الخيال وذكر ابن السبكي في التوشيح أن والده وقف على رجز له في الفقه وفيه اعتماد هذا الإيراد فكتب على الحاشية لكنه مع حسنه لا يرد إذ الكلام في الذي لا يفقد إلا السجود فإذا ما انضم له ترك الجلوس فليعامل عمله وإنما السجدة للجلوس وذاك مثل الواضح المحسوس ولو شك في محل أربع سجدات لزمه سجدة وركعتان لاحتمال أن يكون ترك سجدتين من الأولى وسجدة من الثالثة وأخرى من الرابعة وعلى ما تقدم من الاستدراك يجب سجدتان وركعتان لاحتمال ترك الأولى من الأولى والثانية من الثانية وثنتين من الرابعة فحصل من الثلاث ركعة ولا سجود في الرابعة ولو شك في محل خمس سجدات لزمه ثلاث ركعات لاحتمال ترك سجدتين من الأولى وسجدتين من الثالثة وسجدة من الرابعة.
ومنها لو شك هل غسل ثنتين أو ثلاثة بنى على الأقل وأتى بالثالثة وقال الجويني لا لأن ترك سنة أهون من فعل بدعة ورد بأنها إنما تكون بدعة مع العلم بأنها رابعة.
ومنها شك هل أحرم بحج أو عمرة نوى القران ثم لا يجزيه إلا الحج فقط لاحتمال أن يكون أحرم به فلا يصح إدخال العمرة عليه.
ومنها شك هل طلق واحدة أو أكثر بنى على الأقل.
ومنها عليه دين وشك في قدره لزمه إخراج القدر المتيقن كما قطع به الإمام إلا أن تشتغل ذمته بالأصل فلا يبرأ إلا مما تيقن أداءه كما لو نسي صلاة من الخمس تلزمه الخمس ولو كان عليه زكاة بقرة وشاة وأخرج أحدهما وشك فيه وجبا قاله ابن عبدالسلام قياسا على الصلاة وصرح به القفال في فتاويه فقال لو كانت له أموال من الإبل والبقر والغنم وشك في أن عليه كلها أو بعضها لزمه زكاة الكل لأن الأصل بقاء زكاته كما لو شك في الصيام وقال أنا شاك في العشر الأول هل علي صوم كله أو ثلاثة أيام منه وجب قضاء كله ولو اتخذ إناء من فضة وذهب وجهل الأكثر ولم يميزه وجب أن يزكي الأكثر ذهبا وفضة ولو كانت عليها عدة وشكت هل هي عدة طلاق أو وفاة لزمها الأكثر وإنما وجب الأكثر في هذه الصورة لأن المكلف ينسب إلى القصير بخلاف من شك في الخارج أمني أم مذي حيث يتخير ولو كان عليه نذر وشك هل هو صلاة أو صوم أو عتق أو صدقة قال البغوي في فتاويه يحتمل أن يقال عليه الإتيان بجميعها كمن نسي صلاة من الخمس ويحتمل أن يقال يجتهد بخلاف الصلاة لأنا تيقنا هناك وجوب الكل فلا يسقط إلا بيقين وهنا لم يجب إلا شيء واحد واشتبه فيجتهد كالقبلة والأواني ولو حلف وشك هل حلف بالله تعالى أو الطلاق أو العتق قال الزركشي ففي التبصرة للخمي المالكي أن كل يمين لم يعتد الحلف بها لا تدخل في يمينه مع الشك قال وقياس مذهبنا أن يقال إذا حنث لا يقع الطلاق لأنه لا يقع بالشك وأما الكفارة فيحتمل أن لا تجب في الحال لعدم تحقق شغل الذمة ويحتمل أن تجب في الحال فإذا أعتق برئ لأنها إن كانت بالله أو الظهار أو العتق فالعتق تجزئ في كلها ولا يضر عدم التعيين بخلاف ما لو أطعم أو كسا قلت الاحتمال الأول أرجح ونظيره ما لو شك في الحد أرجم أو جلد فإنه لا يحد بل يعزر كما قرره ابن المسلم أن التردد بين جنسين من العقوبة إذا لم يكونا قتلا يقتضي إسقاطهما والانتقال إلى التعزير وسيأتي في أحكام الخنثى.
ومنها رجل فاتته صلاة يومين فصلى عشر صلوات ثم علم ترك سجدة لا يدري من أيها أفتى القاضي حسين بأنه يلزمه إعادة صلوات يوم وليلة وهو قياس قوله فيمن ترك صلوات لا يدري عددها أنه يجب القضاء إلى أن يتيقن إتيانه بالمتروك وقال ابن القطان في المطارحات الصحيح الاكتفاء بواحدة فبإعادتها يصير شاكا في وجوب الباقي فلا يلزمه بالشك وجوب إعادة الباقي وهو قياس قول القفال في تلك يكتفى بقضاء ما يشك بعده في أنه هل بقي في ذمته شيء.
قاعدة: الأصل العدم
فيها فروع منها القول قول نافى الوطء غالبا لأن الأصل العدم ومنها القول قول عامل القراض في قوله لم أربح لأن الأصل عدم الربح أو لم أربح إلا كذا لأن الأصل عدم الزائد وفي قوله لم تنهني عن شراء كذا لأن الأصل عدم النهي ولأنه لو كان كما يزعمه المالك لكان خائنا والأصل عدم الخيانة وفي قدر رأس المال لأن الأصل عدم دفع الزيادة وفي قوله بعد التلف أخذت المال قراضا وقال المالك قرضا كما قاله البغوي وابن الصلاح في فتاويهما لأنهما اتفقا على جواز التصرف والأصل عدم الضمان ولو قال المالك قراضا وقال الآخر قرضا وذلك عند بقاء المال وربحه فلم أر فيها نقلا والظاهر أن القول قول مدعي القرض أيضا لأمور منها أنه أغلظ عليه لأنه بصدد أن يتلف المال أو يخسر ومنها أن اليد له في المال والربح.
ومنها أنه قادر على جعل الربح له بقوله اشتريت هذا لي فإنه يكون القول قوله ولو اتفقا على أن المال قراض فدعواه أن المال قرض يستلزم دعواه أنه اشتراه له فيكون ربحه له.
ومنها لو ثبت عليه دين بإقرار أو بينة فادعى الأداء والإبراء فالقول قول غريمه لأن الأصل عدم ذلك.
ومنها لو اختلفا في قدم العيب فأنكره البائع فالقول قوله واختلف في تعليله فقيل لأن الأصل عدمه في يد البائع وقيل لأن الأصل لزوم العقد وبهذا التعليل جزم الرافعي والنووي قال الماوردي وينبني على الخلاف ما لو ادعى البائع قدمه والمشتري حدوثه ويتصور ذلك بأن يبيعه بشرط البراءة فيدعي المشتري الحدوث قبل القبض حتى يرد به لأنه لا يبرأ منه فإن عللنا بكون الأصل عدمه في يد البائع صدقنا المشتري لأن ذلك المعنى يقتضي الرد هنا وإن عللنا بكون الأصل اللزوم صدقنا البائع قال الأسنوي ومقتضى ذلك تصحيح تصديق البائع.
ومنها اختلف الجاني والولي في مضي زمن يمكن في الاندمال فالمصدق الجاني لأن الأصل عدم المضي.
ومنها أكل طعام غيره وقال كنت أبحته لي وأنكر المالك صدق المالك لأن الأصل عدم الإباحة.
ومنها سئل النووي عن مسلم له ابن ماتت أمه فاسترضع له يهودية لها ولد يهودي ثم غاب الأب مدة وحضر وقد ماتت اليهودية فلم يعرف ابنه من ابنها وليس لليهودية من يعرف ولدها ولا قافة هناك فأجاب يبقى الولدان موقوفين حتى يبين الحال ببينة أو قافة أو يبلغا فينتسبان انتسابا مختلفا وفي الحال يوضعان في يد المسلم فإن بلغا ولم توجد بينة ولا قافة ولا انتسبا دام الوقف فيما يرجع إلى النسب ويتلطف بهما إلى أن يسلما جميعا فإن أصرا على الامتناع من الإسلام لم يكرها عليه ولا يطالب واحد منهما بالصلاة ولا غيرها من أحكام الإسلام لأن الأصل عدم إلزامهما به وشككنا في الوجوب على كل واحد منهما بعينه وهما كرجلين سمع من أحدهما صوت حدث وتناكراه لا يلزم واحدا منهما الوضوء بل يحكم بصحة صلاتهما في الظاهر وإن كانت إحداهما باطلة في نفس الأمر وكما لو قال رجل إن كان هذا الطائر غرابا فامرأتي طالق فقال آخر إن لم يكن فامرأتي طالق فطار ولم يعرف فإنه يباح لكل واحد منهما في الظاهر الاستمتاع بزوجته للبقاء على الأصل وأما نفقتهما ومؤنتهما فإن كان لكل منهما مال كانت فيه وإلا وجبت على أب المسلم نفقة ابن بشرطه وتجب نفقة آخر وهو اليهودي في بيت المال بشرط كونه ذميا وشرطه أن لا يكون هناك أحد من أصوله ممن تلزمه نفقة القريب وإن مات من أقارب الكافر أحد وقف نصيبه حتى يتبين الحال أو يقع اصطلاح وكذا إن مات من أقارب المسلم أحد وإن مات الولدان أو أحدهما وقف ماله أيضا وإن مات أحدهما قبل البلوغ غسل وصلي عليه ودفن بين مقابر المسلمين واليهود أو بعد البلوغ والامتناع من الإسلام جاز غسله دون الصلاة عليه لأنه يهودي أو مرتد ولا يصح نكاح واحد منهما لأنه يحتمل أنه يهودي أو مرتد فلا يصح نكاحه كالخنثى المشكل.
قاعدة: الأصل في كل حادث تقديره بأقرب زمن
ومن فروعها رأى في ثوبه منيا ولم يذكر احتلاما لزمه الغسل على الصحيح قال في الأم وتجب إعادة كل صلاة صلاها من آخر نومة نامها فيه.
ومنها توضأ من بئر أياما وصلى ثم وجد فيها فأرة لم يلزمه قضاء إلا ما تيقن أنه صلاه بالنجاسة.
ومنها ضرب بطن حامل فانفصل الولد حيا وبقي زمانا بلا ألم ثم مات فلا ضمان لأن الظاهر أنه مات بسبب آخر.
ومنها فتح قفصا عن طائر فطار في الحال ضمنه وإن وقف ثم طار فلا إحالة على اختيار الطائر.
ومنها ابتاع عبدا ثم ظهر أنه كان مريضا ومات فلا رجوع له في الأصح لأن المرض يتزايد فيحصل الموت بالزائد ولا يتحقق إضافته إلى السابق.
ومنها تزوج أمة ثم اشتراها وأتت بولد يحتمل أن يكون من ملك اليمين وأن يكون من ملك النكاح صارت أم ولد في الأصح وقيل لا لاحتمال كونه من النكاح وخرج عن ذلك صور منها لو كان المرض مخوفا فتبرع ثم قتله إنسان أو سقط من سطح فمات أو غرق حسب تبرعه من الثلث كما لو مات بذلك المرض.
ومنها لو ضرب يده فتورمت وسقطت بعد أيام وجب القصاص قلت هذه لا تستثنى لأن باب القصاص كله كذلك لو ضربه أو جرحه وتألم إلى الموت وجب القصاص
قاعدة: الأصل في الأشياء الإباحة حتى يدل الدليل على التحريم
هذا مذهبنا وعند أبي حنيفة الأصل فيها التحريم حتى يدل الدليل على الإباحة ويظهر أثر الخلاف في المسكوت عنه ويعضد الأول قوله ما أحل الله فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو فاقبلوا من الله عافيته فإن الله لم يكن لينسى شيئا أخرجه البزار والطبراني من حديث أبي الدرداء بسند حسن وروى الطبراني أيضا من حديث أبي ثعلبة إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها وحد حدودا فلا تعتدوها وسكت عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها وفي لفظ وسكت عن كثير من غير نسيان فلا تتكلفوها رحمة لكم فاقبلوها وروى الترمذي وابن ماجه من حديث سلمان أنه سئل عن الجبن والسمن والفراء فقال الحلال ما أحل الله في كتابه والحرام ما حرم الله في كتابه وما سكت عنه فهو مما عفا عنه وللحديث طرق أخرى ويتخرج عن هذه كثير من المسائل المشكل حالها منها الحيوان المشكل أمره وفيه وجهان أصحهما الحل كما قال الرافعي.
ومنها النبات المجهول تسميته قال المتولي يحرم أكله وخالفه النووي وقال الأقرب الموافق للمحكي عن الشافعي في التي قبلها الحل.
ومنها إذا لم يعرف حال النهر هل هو مباح أو مملوك هل يجري عليه حكم الإباحة أو الملك حكى الماوردي فيه وجهين مبنيين على أن الأصل الإباحة أو الحظر.
ومنها لو دخل حمام برجه وشك هل هو مباح أو مملوك فهو أولى به وله التصرف فيه جزم به في أصل الروضة لأن الأصل الإباحة.
ومنها لو شك في كبر الضبة فالأصل الإباحة ذكره في شرح المهذب ومنها مسألة الزرافة قال السبكي المختار حل أكلها لأن الأصل الإباحة وليس لها ناب كاسر فلا تشملها أدلة التحريم وأكثر الأصحاب لم يتعرضوا لها أصلا لا بحل ولا بحرمة وصرح بحلها في فتاوي القاضي الحسين والغزالي وتتمة القول وفروع ابن القطان وهو المنقول عن نص الإمام أحمد وجزم الشيخ في التنبيه بتحريمها ونقل في شرح المهذب الاتفاق عليه وبه قال أبو الخطاب من الحنابلة ولم يذكرها أحد من المالكية والحنفية وقواعدهم تقتضي حلها.
قاعدة: الأصل في الابضاع التحريم
فإذا تقابل في المرأة حل وحرمة غلبت الحرمة ولهذا امتنع الاجتهاد فيما إذا اختلطت محرمة بنسوة قرية محصورات لأنه ليس أصلهن الإباحة حتى يتأيد الاجتهاد باستصحابه وإنما جاز النكاح في صورة غير المحصورات رخصة من الله كما صرح به الخطابي لئلا ينسد باب النكاح عليه ومن فروع هذه القاعدة ما ذكره الغزالي في الإحياء أنه لو وكل شخصا في شراء جارية ووصفها فاشترى الوكيل جارية بالصفة ومات قبل أن يسلمها للموكل لم يحل للموكل وطؤها لاحتمال أنه اشتراها لنفسه وإن كان شراء الوكيل الجارية بالصفات المذكورة ظاهرا في الحل ولكن الأصل التحريم حتى يتيقن سبب الحل.
ومنها ما ذكره الشيخ أبو محمد في التبصرة أن وطء السراري اللائي يجلبن اليوم من الروم والهند والترك حرام إلا أن ينتصب في المغانم من جهة الإمام من يحسن قسمتها فيقسمها من غير حيف ولا ظلم أو تحصل قسمة من محكم أو تزوج بعد العتق بإذن القاضي والمعتق والاحتياط اجتنابهن مملوكات وحرائر قال السبكي في الحلبيات ولا شك أن الذي قاله الورع وأما الحكم اللازم فالجارية إما أن يعلم حالها أو يجهل فإن جهل فالرجوع في ظاهر الشرع إلى اليد إن كانت صغيرة وإلى اليد وإقرارها إن كانت كبيرة واليد حجة شرعية كالإقرار وإن علم فهي أنواع أحدها من تحقق إسلامها في بلادها وأنه لم يجر عليها رق قبل ذلك فهذه لا تحل بوجه من الوجوه ن إلا بنكاح بشروطه الثاني كافرة ممن لهم ذمة وعهد فكذلك الثالث كافرة من أهل الحرب مملوكة لكافر حربي أو غيره فباعها فهي حلال لمشتريها الرابع كافرة من أهل الحرب قهرها وقهر سيدها كافر آخر فإنه يملكها كلها ويبيعها لمن يشاء وتحل لمشتريها وهذان النوعان الحل فيهما قطعي وليس محل الورع كما أن النوعين الأولين الحرمة فيهما قطعية النوع الخامس كافرة من أهل الحرب لم يجر عليها رق وأخذها مسلم فهذا أقسام.
● أحدها أن يأخذها جيش من جيوش المسلمين بإيجاف خيل أو ركاب فهي غنيمة أربعة أخماسها للغانمين وخمسها لأهل الخمس وهذا لا خلاف فيه وغلط الشيخ تاج الدين الفزاري فقال إن حكم الفيء والغنيمة راجع إلى رأي الإمام يفعل فيه ما يراه مصلحة وصنف في ذلك كراسة سماها الرخصة العميمة في أحكام الغنيمة وانتدب له الشيخ محيي الدين النووي فرد عليه في كراسة أجاد فيها والصواب معه قطعا وقد تتبعت غزوات النبي وسراياه فكل ما حصل فيه غنيمة أو فيء قسم وخمس وكذلك غنائم بدر ومن تتبع السير وجد ذلك مفصلا ولو قال الإمام من أخذ شيئا فهو له لم يصح.
● القسم الثاني أن ينجلي الكفار عنها بغير إيجاب من المسلمين أو يموت عنها من لا وارث له من أهل الذمة وما أشبه ذلك فهذه فيء يصرف لأهله فالجارية التي توجد من غنيمة أو فيء لا تحل حتى تتملك من كل من يملكها من أهل الغنيمة أو الفيء أو من المتولى عليهم أو الوكيل عنهم أو ممن انتقل الملك إليه من جهتهم ولو بقي فيها قيراط لا تحل حتى يتملكه ممن هو له.
● القسم الثالث أن يغزو واحد أو اثنان بإذن الإمام فما حصل لهما من الغنيمة يختصان بأربعة أخماسها والخمس لأهله هذا مذهبنا ومذهب جمهور العلماء فلا فرق بين أن تكون السرية قليلة أو كثيرة.
● القسم الرابع أن يغزو واحد أو اثنان أو أكثر بغير إذن الإمام فالحكم كذلك عندنا وعند جمهور العلماء.
● القسم الخامس أن يكون الواحد أو الاثنان ونحوهما ليسوا على صورة الغزاة بل متلصصين فقد ذكر الأصحاب أنهم إذا دخلوا بخمس ما أخذوه على الصحيح وعللوه بأنهم غرروا بأنفسهم فكان كالقتال وهذا التعليل يقتضي أنه لم ينقطع في الجملة عن معنى الغزو والإمام في موضع حكى هذا وضعفه وقال إن المشهور عدم التخميس وفي موضع ادعى إجماع الأصحاب على أنه يختص به ولا يخمس وجعل مال الكفار على ثلاثة أقسام غنيمة وفيء وغيرهما كالسرقة فيتملكه من يأخذه قياسا على المباحات ووافقه الغزالي على ذلك وهو مذهب أبي حنيفة وقال البغوي إن الواحد إذا أخذ من حربي شيئا على جهة السوم فجحده أو هرب به اختص به وفيما قاله نظر يحتمل أن يقال يجب رده لأنه كان ائتمنه فإن صح ما قاله البغوي وافق الغزالي بطريق الأولى وقال أبو إسحاق إن المأخوذ على جهة الاختلاس فيء وقال الماوردي غنيمة وما قاله الماوردي موافق لكلام الأكثرين وما قاله أبو إسحاق إن أراد بالفيء الغنيمة حصل الوفاق وإلا فلا وزعم أنه ينزع من المختلس ويعطى جميعه لغيره من المقاتلة وأهل الخمس فبعيد فهذا القسم الخامس من النوع الخامس قد اشتمل على صور ولم يفردها الأصحاب بل ذكروها مدرجة مع القسم الرابع والجارية المأخوذة على هذه الصورة فيها هذا الخلاف واجتنابها محل الورع انتهى.

● [ يتم متابعة القاعدة الثانية من الكتاب الأول ] ●


الأشباه والنظائر
تأليف : السيوطي
منتديات الرسالة الخاتمة . البوابة



    الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء 21 نوفمبر 2017 - 22:45