الباب السابع عشر

شاطر

كراكيب
Admin

عدد المساهمات : 1711
تاريخ التسجيل : 01/01/2014

الباب السابع عشر

مُساهمة من طرف كراكيب في السبت 22 ديسمبر 2018 - 3:06


بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
مكتبة العلوم الشرعية
تحفة المودود بأحكام المولود
الباب السابع عشر وهو ختام الكتاب

● [ الباب السابع عشر ] ●
في أطوار ابن آدم

الباب السابع عشر : في أطوار ابن آدم من وقت كونه نطفة إلى استقراره في الجنة أو النار قال الله تعالى ( ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ثم إنكم بعد ذلك لميتون ثم إنكم يوم القيامة تبعثون ) المؤمنون 12 - 16 فاستوعب سبحانه ذكر أحوال ابن آدم قبل كونه نطفة بل ترابا وماء إلى حين بعثه يوم القيامة فأول مراتب خلقه أنه سلالة من طين ثم بعد ذلك سلالة من ماء مهين وهي النطفة التي استلت من جميع البدن فتمكث كذلك أربعين يوما ثم يقلب الله سبحانه تلك النطفة علقة وهي قطعة سوداء من دم فتمكث كذلك أربعين يوما أخرى ثم يصيرها سبحانه مضغة وهي قطعة لحم أربعين يوما وفي هذا الطور تقدر أعضاؤه وصورته وشكله وهيئته واختلف في أول ما يتشكل ويخلق من أعضائه قال قائلون هو القلب وقال آخرون إنه الدماغ وقال آخرون هو الكبد وقال آخرون فقار الظهر فاحتج أرباب القول الأول بأن القلب هو العضو والأساس الذي هو معدن الحرارة الغريزية الذي هو مركب الحياة فوجب أن يكون هو المقدم في الخلق قالوا وقد أخبر المشرحون أنهم وجدوا في النطفة عند كمال انعقادها نقطة سوداء واحتج من قال إنه الدماغ بأن الدماغ من الحيوان هو العضو الرئيسي من الإنسان وهو مجمع الحواس وأن الأمر المختص بالحيوان هو الحس والحركة الإرادية وأصل ذلك من الدماغ ومنه ينبعث وإذا كان الخاص بالحيوان هو الحس والحركة الإرادية وكانا عن هذا العضو كان هو المقدم في الإيجاد والتكوين واحتج من قال إنه الكبد بأنه العضو الذي منه النمو والاغتذاء الذي به قوام الحيوان قالوا فالنظام الطبيعي يقتضي أن يكون أول متكون الكبد ثم القلب ثم الدماغ لأن أول فصل الحيوان هو النمو وليس به في هذا الوقت حاجة إلى حس ولا إلى حركة إرادية لأنه يعد بمنزلة النبات فلا حاجة به حينئذ إلى غير النمو ولهذا إنما تصير له قوة الحس والإرادة عند تعلق النفس به وذلك في الطور الرابع من أطوار تخليقه فكان أول الأعضاء خلقا فيه هو آلة النمو وذلك الكبد والذي شاهده أرباب التشريح حتى إنهم متفوقون عليه أنه أول ما يتبين في خلق جثة الحيوان ثلاث نقط متقاربة بعضها من بعض يتوهم أنها رسم الكبد والقلب والدماغ ثم يزداد بعضها من بعض بعدا على امتداد أيام الحمل فهذا القدر هو الذي عند المشرحين فأما أن هذه النقط أقدم وأسبق فليس عندهم عليه دليل إلا الأخلق والأولى والقياس والله أعلم
● [ فصل ] ●

ثم تقدر مفاصل أعضائه وعظامه وعروقه وعصبه ويشق له السمع والبصر والفم ويفتق حلقه بعد أن كان رتقا فيركب فيه اللسان ويخطط شكله وصورته وتكسى عظامه لحما ويربط بعضها إلى بعض أحكم ربط وأقواه وهو الأسر الذي قال فيه ( نحن خلقناهم وشددنا أسرهم ) الإنسان : 28 ومنه الإسار الذي يربط به ومنه الأسير قال الإمام أحمد حدثنا روح بن عبادة حدثنا أبو هلال حدثنا ثابت عن صفوان بن محرز قال كان نبي الله داود عليه السلام إذا ذكر عذاب الله تخلعت أوصاله ما يمسكها إلا الأسر فإذا ذكر رحمة الله رجعت فصل قال بقراط في المقالة الثالثة من كتاب الأجنة أنا أحدثك رأيت المني ينشأ كانت لامرأة من الأهل جارية نفيسة ولم تكن تحب أن تحبل لئلا ينقص ثمنها فسمعت الجارية النساء يقلن إن المرأة إذا أرادت أن تحمل لم يخرج منها مني الرجل بل يبقى محتبسا ففهمت ذلك وجعلت ترصده من نفسها فأحست في بعض الأوقات أنه لم يخرج منها فبلغني الخبر فأمرتها أن تطفر إلى خلفها فطفرت سبع طفرات فسقط منها المني بوجبة شبيها بالبيضة غير مطبوخة قد قشر عنها القشر الخارج وبقيت رطوبتها في جوف الغشاء قال وأنا أقول أيضا إنه يجري من الأم فضول الرحم ليتغذى بها الجنين وقال إن الذي تظهر هي الأعصاب الدقاق البيض وهي التي رأيت في وسط السرة وليست في موضع آخر غير السرة لأن الروح إنما يشق طريقا للنفس هناك ثم قال وأقول شيئا آخر ظاهرا يعرفه كل من يرغب في العلم وأوضحه بقياسات وأقول إن المني هو في الحجاب وإنه يغتذي من الدم الذي يجتمع من المرأة وينزل إلى الرحم وقال إن المني يجتذب الهواء فيتنفس فيه في هذه الحجب في الأسباب التي ذكرنا ويربو من الدم الذي ينحدر من المرأة وقال إن الطمث لا ينحدر ما دامت المرأة حاملا إن كان طفلها صحيحا وذلك منذ أول شهر من حبلها إلى الشهر التاسع ولكن جميع ما ينزل من الدم من البدن كله يجتمع حول الجنين على الحجاب الأعلى مع اجتذاب النفس والسرة طريق وصوله إلى الجنين فيدخل الغذاء إليه فيغذيه ويزيد في تربيته وقال إذا أقام المني حينا خلقت له حجب أخر فتمتد داخلا من الحجاب الأول وتكون مختلفة الأنواع كثيرة وأما كونها فمثل الحجاب الأول وقال إن الحجب منها ما يخلق أولا ومنها ما يخلق من بعد الشهر الثاني ومنها ما يخلق في الشهر الثالث وكلها لا تظهر منافعها أول ما يخلق ولكن بعضها يمتد على المني فتظهر منافعها أولا وبعضها لا يظهر إلا أخيرا فلذلك يخلق بعضها في الشهر الأول وبعضها في الشهر الثاني وبعضها في الثالث وهي السرة كأنها مربوط بعضها ببعض في وسط الحجب تكون السرة التي يتنفس منها ويتربى وإذا نزل الدم واغتذى الجنين منه حالت الحجب بينه وبين الجنين ولهذا يقول تعالى ( يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث ) الزمر 6 فإن كل حجاب من هذه الحجب له ظلمة تخصه فذكر سبحانه أطوار خلقه ونقله فيها من حال إلى حال وذكر ظلمات الحجب التي على الجنين فقال أكثر المفسرين هي ظلمة البطن وظلمة الرحم وظلمة المشيمة فإن كل واحد من هذه حجاب على الجنين وقال آخرون هي ظلمة أصلاب الآباء وظلمة بطون الأمهات وظلمة المشيمة وأضعف من هذا القول قول من قال ظلمة الليل وظلمة البطن وظلمة الرحم فإن الليل والنهار بالنسبة إلى الجنين سواء وقال بقراط إن المرأة إذا حبلت لم تألم من اجتماع الدم الذي ينزل ويجتمع حول رحمها ولا تحس بضعف كما تحس إذا انحدر الطمث لأنها لا يثور دمها في كل شهر لكنه ينزل إلى الرحم في كل يوم قليلا قليلا نزولا ساكنا من غير وجع فإذا أتى إلى الرحم اغتذى منه الجنين ونما ثم قال وعلى غير بعيد من ذلك إذا خلق للجنين لحم وجسد تكون الحجب وإذا كبر كبرت الحجب أيضا وصار لها تجويف خارج من الجنين فإذا نزل الدم من الأم جذبه الجنين واغتذى به فيزيد في لحمه والرديء من الدم الذي لا يصلح للغذاء ينزل إلى مجاري الحجب وكذلك تسمى الحجب التي إذا صار لها تجويف يقبل الدم المشيمة وقال إذا تم الجنين وكملت صورته واجتذب الدم لغذائه بالمقدار اتسعت الحجب وظهرت المشيمة التي تكون من الآلات التي ذكرنا فإن اتسع داخلها اتسع خارجها لأنه أولى بذلك لأن له موضعا يمتد إليه قلت ومن ها هنا لم تحض الحامل بل ما تراه من الدم يكون دم فساد ليس دم الحيض المعتاد هذه إحدى الروايتين عن عائشة رضي الله عنها وهو المشهور من مذهب أحمد الذي لا يعرف أصحابه سواه وهو مذهب أبي حنيفة وذهب الشافعي في رواية عن عائشة والإمام أحمد في رواية عنه اختارها شيخنا إلى أن ما تراه من الدم في وقت عادتها يكون حيضا وحجة هذا القول ظاهرة وهي عموم الأدلة الدالة على ترك المرأة الصوم والصلاة إذا رأت الدم المعتاد في وقت الحيض ولم يستثن الله ورسوله حالة دون حالة وأما كون الدم ينصرف إلى غذاء الولد فمن المعلوم أن ذلك لا يمنع أن يبقى منه بقية يخرج في وقت الحيض تفضل عن غذاء الولد فلا تنافي بين غذاء الولد وبين حيض الأم وأصحاب القول الآخر يحتجون بقوله لا توطأ حامل حتى تضع و لا حائل حتى تستبرأ بحيضة فجعل الحيضة دليلا على عدم الحمل فلو حاضت الحامل لم تكن الحيضة علما على براءة حملها والآخرون يحبيبون عن هذا بأن الحيضة علم ظاهر فإذا ظهر بها الحمل تبينا أنه لم يكن دليلا ولهذا يحكم بانقضاء العدة بالحيض ظاهرا ثم تبين المرأة حاملا والنبي قسم النساء إلى قسمين امرأة معلومة الحمل وامرأة مظنون أنها حامل فجعل استبراء الأولى بوضع الحمل والثانية بالحيضة وهذا هو الذي دل عليه الحديث لم يدل على أن ما تراه الحامل من الدم في وقت عادتها تصوم معه وتصلي
● [ فصل ] ●

قال بقراط إن العظام تصلب من الحرارة لأن الحرارة تصلب العظام وتربط بعضها ببعض مثل الشجرة التي ترتبط بعضها ببعض وقال إن العصب جعل داخلا وخارجا وجعل الرأس بين العاتقين والعضدان والساعدان في الجانبين وفرج ما بين الرجلين أيضا وجعل في كل مفصل من المفاصل عصب بوثقه ويشده قلت وهو الأسر الذي شد به الإنسان قال وجعل الفم ينفتح من تلقاء نفسه وركب الأنف والأذنان من اللحم وثقبت الأذنان ثم العينان بعد ذلك وملئتا رطوبة صافية وكان النبي يقول في سجوده سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره والواو وإن لم تقتض ترتيبا فتقديم السمع في اللفظ يناسب تقدمه في الوجود ثم تتسع الأمعاء بعد ذلك ويصير لها تجويف وترتبط المفاصل ويرتفع النفس إلى الفم والأنف ويدخل الاستنشاق في الفم والأنف وينفتح البطن والأمعاء ويخرج النفس إلى الفم بدل السرة فإذا تم ما ذكرنا حضر وقت خروج الجنين ونزلت فضول من معدته وأمعائه إلى المثانة ويكون لها طريق من المعدة والأمعاء إلى المثانة ومنها إلى مجرى البول وإنما تنفتح هذه كلها ويتسع تجويفها بالاستنشاق وبه ينفصل بعضها عن بعض على قدر أشكالها وقال اذا اتسع البطن وتبين تجويف الأمعاء صار فيها طريق الى المثانة والإحليل اضطرارا قال والمني اذا تركب يجتمع كل شيء منه الى صاحبه العظام الى العظام والعصب الى العصب وكذلك جميع الأعضاء ثم يركب الجنين ثم قال إنا قد رأينا كثيرا من النساء قد فسدت الأجنة فيهن ثم خرجت بعد ثلاثين يوما ثم قال ألا ترى أنه اذا سقط الجنين بعد ثلاثين يوما رأيت مفاصله مركبة وقال يدرك هذا بالنظر الى السقط لأنه اذا سقط ليس يسقط من حيلنا بل من قبل نفسه ثم قال اذا تركب الجنين وأتلفت مفاصله وكبرت أعضاؤه وصلبت عظامه وتحركت جذبت من البدن دما دسما ويحتبس ذلك ويتحرك في رؤوس العظام مثل تحرك رؤوس الشجر قال وكذلك الجنين ويتقلب فصل وقال في المقالة الثانية من كتابه هذا ثم يتركب الجنين ويتم الذكر الى اثنين وثلاثين يوما والانثى إلى اثنين وأربعين يوما وربما زاد على هذه الأيام قليلا وربما نقص قليلا وقال إن الجنين يتم ويتصور إن كان ذكرا في اثنين وثلاثين يوما وان كان أنثى ففي اثنين وأربعين يوما وقال إنا نرى ذلك من نقاء المرأة لأنها إن ولدت أنثى فإنها تنفى في اثنين وأربعين يوما وهو أكثر ما تحتبس المرأة الى أن تنقى في اثنين وأربعين يوما عند ولادة الأنثى وربما كان في الفرد وتنقى في خمسة وثلاثين يوما فإذا ولدت ذكرا فإنها تنقى في اثنين ووثلاثين يوما اذا احتبست كثيرا وربما بقيت في الفرد في خمسة وعشرين يوما وقال إن دم الطمث يخرج من حيث يخرج الجنين وكما أن الذكر يتصور في اثنين وثلاثين يوما كذلك يكون نقاء أمه من بعد ولاده في اثنين وثلاثين يوما وتنقى المرأة اذا ولدت أنثى في اثنين وأربعين يوما بعدد الأيام التي تركيبها فيها ثم قال انما يجري الدم من النفساء بعد ولادها أياما كثيرة لأنها اذا حملت لم يحتج الجنين أول ما يخلق الى غذاء كثير حتى يتم فإذا تم له اثنان وأربعون يوما اغتذى كما ينبغي وما اجتمع في الأيام الأربعين من الدم الذي ينزل الى الجنين بقي إلى ولاد المرأة فإذا ولدت نزل أربعين يوما قلت في هذا الفصل حديثان صحيحان عن رسول الله نذكرهما ونذكر تصديق أحدهما للآخر ثم نتعقب كلام بقراط ونبين ما فيه بحول الله وقوته وتوفيقه وتعليمه وإرشاده ففي الصحيحين من حديث ابن مسعود قال حدثنا رسول الله وهو الصادق المصدوق إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك ثم يرسل الله الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد فو الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينها وبينه إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها وفي طريق أخرى أن خلق ابن آدم يجمع في بطن أمه أربعين وفي أخرى أربعين ليلة وقال البخاري أربعين يوما وأربعين ليلة وفي بعض طرقه ثم يبعث الله ملكا بأربع كلمات فيكتب عمله وأجله ورزقه وشقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح ... الحديث
وفي صحيح مسلم من حديث حذيفة بن أسيد يبلغ به النبي قال يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين أو خمس وأربعين ليلة فيقول يا رب أشقي أو سعيد فيكتبان فيقول إي رب أذكر أم أنثى فيكتبان ويكتب عمله وأثره وأجله ورزقه ثم تطوى الصحف فلا يزداد فيها ولا ينقص وقال الإمام أحمد حدثني سفيان عن عمرو عن أبي الطفيل عن حذيفة ابن أسيد الغفاري قال سمعت رسول الله يقول يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين ليلة فيقول يا رب أشقي أم سعيد فيقول الله عز و جل فيكتبان فيقولان أذكر أم أنثى فيقول الله عز و جل فيكتبان فيكتب عمله وأثره ومصيبته ورزقه ثم تطوى الصحيفة فلا يزداد على ما فيها ولا ينقص وفي صحيح مسلم عن عامر بن واثلة أنه سمع عبد الله بن مسعود يقول الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من وعظ بغيره فأتى رجلا من أصحاب رسول الله يقال له حذيفة بن أسيد الغفاري فحدثه بذلك من قول ابن مسعود فقال وكيف يشقى رجل بغير عمل فقال له الرجل أتعجب من ذلك فإني سمعت رسول الله يقول إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها ثم قال يا رب أذكر أم أنثى فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك ثم يقول يا رب أجله فيقضي ربك ما شاء فيكتب الملك ثم يقول يا رب رزقه فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص وفي لفظ آخر سمعت رسول الله بأذني هاتين يقول إن النطفة تقع في الرحم أربعين ليلة ثم يتسور عليها الملك قال زهير حسبته قال الذي يخلقها فيقول يا رب أذكر أم أنثى فيجعله الله ذكرا أو أنثى فيقول يا رب أسوي أم غير سوي فيجعله الله سويا أو غير سوي ثم يقول يا رب ما رزقه وما أجله وما خلقه ثم يجعله الله شقيا أو سعيدا وفي لفظ آخر أن ملكا موكلا بالرحم إذا أراد الله عز و جل أن يخلق شيئا بإذن الله لبضع وأربعين ليلة ثم ذكر الحديث فاتفق حديث ابن مسعود وحديث حذيفة بن أسيد على حدوث شأن وحال النطفة بعد الأربعين وحديث حذيفة مفسر صريح بأن ذلك يكتب بعد الأربعين قبل نفخ الروح كما تقدم في رواية البخاري وأما حديث ابن مسعود فأحد ألفاظه موافق لحديث حذيفة وإن كان ذلك التقدير والكتابة بعد الأربعين قبل نفخ الروح فيه كما تقدم من رواية البخاري ولفظه ثم يبعث الله إليه ملكا بأربع كلمات فيكتب عمله ورزقه وأجله وشقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح فهذا صريح أن الكتابة وسؤال الملك قبل نفخ الروح فيه وهو موافق لحديث حذيفة في ذلك وأما لفظه الآخر فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات فليس بصريح إذ الكلمات المأمور بها بعد نفخ الروح فإن هذه الجملة معطوفة بالواو ويجوز أن تكون معطوفة على الجملة التي تليها ويجوز أن تكون معطوفة على جملة الكلام المتقدم أي يجمع خلقه في هذه الأطوار ويؤمر الملك بكتب رزقه وأجله وعمله ووسط بين الجمل قوله ثم ينفخ فيه الروح بيانا لتأخر نفخ الروح عن طور النطفة والعلقة والمضغة وتأمل كيف أتى ب ثم في فصل نفخ الروح وبالواو في قوله ويؤمر بأربع كلمات فاتفقت سائر الأحاديث بحمد الله وبقي أن يقال فحديث حذيفة يدل على أن ابتداء التخليق عقيب الأربعين الأولى وحديث ابن مسعود يدل على أنه عقيب الأربعين الثالثة فيكيف يجمع بينهما قيل أما حديث حذيفة فصريح في كون ذلك بعد الأربعين و أما حديث ابن مسعود فليس فيه تعرض لوقت التصوير والتخليق وإنما فيه بيان أطوار النطفة وتنقلها بعد كل أربعين وأنه بعد الأربعين الثالثة ينفخ فيه الروح وهذا لم يتعرض له حديث حذيفة بل اختص به حدثنا بن مسعود فاشترك الحديثان في حدوث أمر بعد الأربعين الأولى واختص حديث حذيفة بأن ابتداء تصويرها وخلقها بعد الأربعين الأولى واختص حديث ابن مسعود بأن نفخ الروح فيه بعد الأربعين الثالثة واشترك الحديثان في استئذان الملك ربه سبحانه في تقدير شأن المولود في خلال ذلك فتصادقت كلمات رسول الله وصدق بعضها بعضا وحديث ابن مسعود فيه أمران أمر النطفة وتنقلها وأمر كتابة الملك ما يقدر الله فيها والنبي أخبر بالأمرين في الحديث قال الإمام أحمد حدثنا هشيم أنبأنا علي بن زيد قال سمعت أبا عتبة بن عبد الله يحدث قال قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال رسول الله إن النطفة تكون في الرحم أربعين يوما على حالها لا تتغير فإذا مضت له أربعون صارت علقة ثم مضغة كذلك ثم عظاما كذلك فإذا أراد أن يسوي خلقه بعث الله اليه الملك فيقول الملك الذي يليه أي رب أذكر أم أنثى أشقي أم سعيد أقصير أم طويل أناقص أم زائد قوته وأجله أصحيح أم سقيم قال فيكتب ذلك كله فهذا الحديث فيه الشفاء وإن الحادث بعد الأربعين الثالثة تسوية الخلق عند نفخ الروح فيه ولا ريب أنه عند نفخ الروح فيه وتعلقها به يحدث له في خلقه أمور زائدة على التخليق الذي كان بعد الأربعين الأولى فالأول كان مبدأ التخليق وهذا تسويته وكمال ما قدر له كما أنه سبحانه خلق الأرض قبل السماء ثم خلق السماء ثم سوى الأرض بعد ذلك ومهدها وبسطها وأكمل خلقها فذلك فعله في السكن وهذا فعله في الساكن على أن التخليق والتصوير ينشأ في النطفة بعد الأربعين على التدريج شيئا فشيئا كما ينشأ النبات فهذا مشاهد في الحيوان والنبات كما إذا تأملت حال الفروج في البيضة فإنما يقع الإشكال من عدم فهم كلام الله تعالى ورسوله فالإشكال في أفهامنا لا في بيان المعصوم والله المستعان وقد أغناك هذا بحمد الله عن تكلف الشارحين فتأمله ووازن بينه وبين هذا الجمع وبالله التوفيق
● [ فصل ] ●

وقد قال بقراط في كتاب الغذاء تصوير الجنين يكون في خمسة وثلاثين يوما وحركته في سبعين صباحا وكماله في مائة وعشرة أيام ويتصور أجنة أخر في خمسين صباحا ويتحركون التحرك الأول في مائة صباح ويكملون في ثلاثمائة ويتصور أجنة أخر في أربعين صباحا ويتحركون في ثمانين صباحا ويولدون في مائتين وأربعين صباحا ويتصور أجنة أخر في خمسة وأربعين صباحا ويتحركون في تسعين صباحا ويولدون في مائتين وسبعين صباحا قال فأما الولادة فتكون في الشهر السابع والثامن والتاسع والعاشر قلت الحركة حركتان حركة طبيعية غير أرادية فهذه تكون قبل تعلق الروح به وأما الحركة الإرادية فلا تكون إلا بعد نفخ الروح ولهذا فرق بقراط بين التحرك الأول والثاني قلت الذي دل عليه الوحي الصادق عن خلاق البشر أن الخلق ينتقل في كل أربعين يوما إلى طور آخر فيكون أولا نطفة أربعين يوما ثم علقة كذلك ثم مضغة كذلك ثم ينفخ فيه الروح بعد مائة وعشرين يوما فهذا كأنك تشاهده عيانا وما خالفه فليس مع المخبر به عيان وغاية ما معه قياس فاسد وتشريح لا يحيط علما بمبدإ ما شاهده منه أو تقليد لواحد غير معصوم وكل ما جاء به مشى خلفه فيه فيعتقد فيه المعتقد أن هذا أمر متفق عليه بين الطبائعيين وأصله كله واحد أخطأ فيه ثم قلده من بعده والقوم لم يشاهدوا ما أخبروا به من ذلك وغاية ما معهم أنهم شرحوا الحاكين أحياء وأمواتا فوجدوا الجنين في الرحم على الصفة التي أخبروا بها ولكن لاعلم لهم بما وراء ذلك من مبدإ الحمل وتغير أحوال النطفة فإن ضيق مقلدهم الفرض وقال نفرض أنهم اعتبروا بكرا من حيث وطئت ثم جعلوا يعدون أيامها إلى أن بلغت ما ذكروه ثم شرحوها فوجدوا الأمر على الصفة التي أخبروا بها فهذا غاية الكذب والبهت فإن القوم لم يدعوا ذلك وكيف يمكنهم دعواهم وهم يخبرون أن بعد ذلك بكذا وكذا يوما يصير شأن الحمل كذا وكذا وإنما مع القوم كليات وأقيسة وينبغي أن يكون كذا وكذا والنظام الطبيعي يقتضي كذا وكذا وكثير منهم يأخذ ذلك من حركات القمر وزيادته ونقصانه ومن حركات الشمس ومن التثليث والتربيع والتسديس والمقابلة ورد عليهم آخرون منهم وأبطلوا ذلك عليهم من وجوه وأحال به على الأخلق والأولى والأنسب وأحال به آخرون على أيام البحارين وتغير الطبيعة فيها ورد بعض هؤلاء على بعض وأبطل قوله بما تركناه مخافة التطويل وأصح ما بأيديهم التشريح والاستقراء التام الذي لا يخرم ونحن لا ننكر ذلك ولكن ليس فيه ما يخالف الوحي عن خلاف الأجنة أبدا ومما يدل على أن القوم لم يخبروا في ذلك عن مشاهدة قولهم إن الجنين الذي يولد في الشهر السابع يصير ديديا في تسعة أيام ودمويا في ثمانية أيام أخر ولحميا في تسعة أيام أخر ويقبل الصورة في أثنى عشر يوما أخر فإذا اجتمعت هذه الأيام صارت خمسة وثلاثين يوما فجعلوه مضغة في الأربعين الأولى وهذا كذب ظاهر قطعا وإنما يصير لحميا بعد الثمانين ومثل هذا لا يدرك إلا بوحي أو مشاهدة وكلاهما مفقود عندهم وإنما بأيديهم قياس اعتبروا به أحوال الأجنة من شهور ولادها فحكموا على كل جنين ولد في شهر من شهور الولادة على أنه ينبغي أن يكون ديديا أي نطفة كذا وكذا ودمويا أي علقة كذا وكذا يوما ولحميا أي مضغة كذا وكذا يوما ثم أضعفوا ذلك العدد وجعلوه وقت تحرك الجنين وكذبوا في ذلك على الخلاق العليم في خلقه كما كذبوا عليه في صفاته وأسمائه فإن القوم لم يكن لهم نصيب من العلم الذي جاءت به الرسل بل كانوا كما قال الله تعالى ( فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم ) النساء 83 وما غاية مل يناله المنكر المعرض عما جاءت به الرسل وغاية ما نالوا به علما بأمور طبيعية فيها الحق والباطل وأمور رياضية كثيرة التعب قليلة الجدوى وأمور الهيئة باطلها أضعاف أضعاف حقها فأين العلم المتلقى من الوحي النازل إلى الظن المأخوذ عن الرأي الزائل وأين العلم المأخوذ عن رسول الله عن جبريل عن الله عز و جل إلى الظن المأخوذ عن رأي رجل لم يستنر قلبه بنور الوحي طرفة عين وإنما معه حدسه وتخمينه ونسبه ما يدركه العقلاء قاطبة بعقولهم إلى ما جاءت به الرسل كنسبة سراج ضعيف إلى ضوء الشمس و لا تجدو ولو عمرت عمر نوح مسألة واحدة أصلا اتفق فيها العقلاء كلهم على خلاف ما جاءت به الرسل في أمر من الأمور البتة فالأنبياء لم تأت بما يخالف صريح العقل البتة وإنما جاءت بما لا يدركه العقل فما جاءت به الرسل مع العقل ثلاثة أقسام لا رابع لها البتة قسم شهد به العقل والفطرة وقسم يشهد بجملته ولا يهتدى لتفصيله وقسم ليس في العقل قوة إدراكه وأما القسم الرابع وهو ما يحيله العقل الصريح ويشهد ببطلانه فالرسل بريئون منه وإن ظن كثير من الجهال المدعين للعلم والمعرفة أن بعض ما جاءت به الرسل يكون من هذا القسم فهذا إما لجهله بما جاءت به وإما لجهله بحكم العقل أو لهما
● [ فصل ] ●
في مقدار زمان الحمل واختلاف الأجنة في ذلك

قال الله تعالى ( ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا ) الأحقاف 15 فأخبر تعالى أن مدة الحمل والفطام ثلاثون شهرا وأخبر في آية البقرة أن مدة تمام الرضاع حولين كاملين فعلم أن الباقي يصلح مدة للحمل وهو ستة أشهر فاتفق الفقهاء كلهم على أن المرأة لا تلد لدون ستة أشهر إلا أن يكون سقطا وهذا أمر تلقاه الفقهاء عن الصحابة رضي الله عنهم فذكر البيهقي وغيره عن أبي حرب بن أبي الأسود الديلي أن عمر أتي بامرأة قد ولدت لستة أشهر فهم عمر برجمها فبلغ ذلك عليا رضي الله عنه فقال ليس عليها رجم فبلغ ذلك عمر فأرسل إليه فسأله فقال ( والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة ) البقرة 233 وقال ( وحمله وفصاله ثلاثون شهرا ) الأحقاف 15 فستة أشهر حمله وحولان تمام الرضاعة لا حد عليهما فخلى عنها وفي موطأ مالك أنه بلغه أن عثمان بن عفان رضي الله عنه أتي بامرأة قد ولدت في ستة أشهر فأمر بها أن ترجم فقال علي ليس ذلك عليها قال الله تعالى ( وحمله وفصاله ثلاثون شهرا ) وقال ( وفصاله في عامين ) فأمر بها عثمان أن ترد فوجدها قد رجمت وذكر داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس أنه كان يقول إذا ولدت المرأة لتسعة أشهر كفاها من الرضاع أحد وعشرون شهرا وإذا وضعت لسبعة أشهر كفاها من الرضاع ثلاثة وعشرون شهرا وإذا وضعت لستة أشهر كفاها من الرضاع أربعة وعشرون شهرا كما قال تعالى وحمله وفصاله ثلاثون شهرا انتهى كلامه وقال الله تعالى الله ( يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد ) الرعد 8 قال ابن عباس وما تغيض الأرحام ما تنقص عن تسعة أشهر وما تزداد وما تزيد عليها ووافقه على هذا أصحابه كمجاهد وسعيد ابن جبير وقال مجاهد أيضا إذا حاضت المرأة على ولدها كان ذلك نقصانا من الولد وما تزداد قال إذا زادت على تسعة أشهر كان ذلك تماما لما نقص من ولدها وقال أيضا الغيض ما رأت الحامل من الدم في حملها وهو نقصان من الولد والزيادة ما زاد على التسمة أشهر وهو تمام النقصان وقال الحسن ما تغيض الأرحام ما كان من سقط وما تزداد المرأة تلد لعشرة أشهر وقال عكرمة تغيض الأرحام الحيض بعد الحمل فكل يوم رأت فيه الدم حاملا ازداد به في الأيام طاهرا فما حاضت يوما إلا ازدادت في الحمل يوما وقال قتادة الغيض السقط وما تزداد فوق التسعة أشهر وقال سعيد بن جبير إذا رأت المرأة الدم على الحمل فهو الغيض للولد فهو نقصان في غذاء الولد وزيادة في الحمل تغيض وتزداد فعلان متعديان مفعولهما محذوف وهو العائد على ما الموصولة والغيض النقصان ومنه ( وغيض الماء ) هود 44 وضده الزياده والتحقيق في معنى الآية أنه يعلم مدة الحمل وما يعرض فيها من الزيادة والنقصان فهو العالم بذلك دونكم كما هو العالم بما تحمل كل أنثى هل هو ذكر أو أنثى وهذا أحد أنواع الغيب التي لا يعلمها إلا الله كما في الصحيح عنه مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله لا يعلم متى تجيء الساعة إلا الله ولا يعلم ما في غد إلا الله ولا يعلم متى يجيء الغيث إلا الله ولا يعلم ما في الأرحام إلا الله ولا تدري نفس بأي أرض تموت إلا الله فهو سبحانه المنفرد بعلم ما في الرحم وعلم وقت إقامته فيه وما يزيد من بدنه وما ينقص وما عدا هذا القول فهو من توابعه ولوازمه كالسقط والتام ورؤية الدم وانقطاعه والمقصود ذكر مدة إقامة الحمل في البطن وما يتصل بها من زيادة ونقصان
● [ فصل ] ●

وأما أقصاها فقال ابن المنذر اختلف أهل العلم في ذلك فقالت طائفة أقصى مدته سنتان وروي هذا القول عن عائشة وروي عن الضحاك وهرم بن حيان أن كل واحد منهما أقام في بطن أمه سنتين وهذا قول سفيان الثوري
وفيه قول ثان وهو أن مدة الحمل قد تكون ثلاث سنين روينا عن الليث بن سعد أنه قال حملت مولاة لعمر بن عبد الله ثلاث سنين
وفيه قول ثالث أن أقصى مدته أربع سنين هكذا قال الشافعي رحمه الله قلت وعن الإمام أحمد رحمه الله روايتان أنه أربع سنين والثانية سنتان قال واختلف فيه عن مالك فالمشهور عنه عند أصحابه مثل ما قال الشافعي وحكى ابن الماجشون عنه ذلك ثم رجع لما بلغه قصة المرأة التي وضعت لخمس سنين وفيه قول آخر أن مدة الحمل قد تكون خمس سنين حكي عن عباد بن العوام أنه قال ولدت امرأة معنا في الدار لخمس سنين قال فولدته وشعره يضرب إلى ها هنا وأشار إلى العنق قال ومر به طير فقال هش وقد حكي عن ابن عجلان أن امرأته كانت تحمل خمس سنين وفيه قول خامس قال الزهري أن المرأة تحمل ست سنين وسبع سنين فيكون ولدها مخشوشا في بطنها قال وقد أتى سعيد بن مالك بامرأة حملت سبع سنين وقالت فرقة لا يجوز في هذا الباب التحديد والتوقيت بالرأي لأنا وجدنا لأدنى الحمل أصلا في تأويل الكتاب وهو الأشهر الستة فنحن نقول بهذا ونتبعه ولم نجد لآخره وقتا وهذا قول أبي عبيد ودفع بهذا حديث عائشة وقال المرأة التي روته عنها مجهولة وأجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم أن المرأة إذا جاءت بولد لأقل من ستة أشهر من يوم تزوجها الرجل أن الولد غير لا حق به فان جاءت به لستة أشهر من يوم نكحها فالولد له وهذا وأمثاله يدل على أن الطبيعة التي هي منتهى سير الطبائعيين لها رب قاهر قادر يتصرف فيها بمشيئته وينوع فيها خلقه كما يشاء ليدل من له عقل على وجوده ووحدانيته وصفات كماله ونعوت جلاله وإلا فمن أين في الطبيعة المجردة هذا الاختلاف العظيم والتباين الشديد ومن أين في الطبيعة خلق هذا النوع الإنساني على أربعة أضرب
أحدهما لا من ذكر ولا من أنثى كآدم
الثاني من ذكر بلا أنثى كحواء صلوات الله عليها
الثالث من أنثى بلا ذكر كالمسيح
الرابع من ذكر وأنثى كسائر النوع ومن أين في الطبيعة والقوة هذا التركيب والتقدير والتشكيل وهذه الأعضاء والرباطات والقوى والمنافذ والعجائب التي ركبت في هذه النطفة المهينة لو لا بدائع صنع الله ما وجدت تلك العجائب في مستقذر الماء ( يا أيها الأنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك ) الانفطار 6 - 8 ( إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم ) آل عمران 5 و 6 لقد دل سبحانه على نفسه أوضح دلالة بما أشهده كل عبد على نفسه من حاله وحدوثه وإتقان صنعه وعجائب خلقه وآيات قدرته وشواهد حكمته فيه ولقد دعا سبحانه الإنسان إلى النظر في مبدإ خلقه وتمامه فقال تعالى ( فلينظر الإنسان مم خلق خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب ) الطارق 6 - 7 وقال ( يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا ) الحج 5 وقال تعالى ( وفي الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم أفلا تبصرون ) الذاريات 20 - 21 وهذا في القرآن كثير لمن تدبره وعقله وهو شاهد منك عليك فمن أين للطبيعة والقوة المحصورة هذا الخلق والإتقان والإبداع وتفصيل تلك العظام وشد بعضها ببعض على اختلاف أشكالها ومقاديرها ومنافعها وصفاتها ومن جعل في النطفة تلك العروق واللحم والعصب ومن فتح لها تلك الأبواب والمنافذ ومن شق سمعها وبصرها ومن ركب فيها لسانا تنطق به وعينين تبصر بهما وأذنين تسمع بهما وشفتين ومن أودع فيها الصدر وما حواه من المنافع والآلات التي لو شاهدتها لرأيت العجائب ومن جعل هناك حوضا وخزانة يجتمع فيها الطعام والشراب وساق إليه مجاري وطرقا ينفذ فيها فيسقي جميع أجزاء البدن كل جزء يشرب من مجراه الذي يختص به لا يتعداه ( قد علم كل أناس مشربهم ) البقرة 60 ومن أخذ منها تلك القوى التي بها تمت مصالحها ومنافعها ومن أودع فيها العلوم الدقيقة والصنائع العجيبة وعلمها ما لم تكن تعلم وألهمها فجورها وتقواها ونقلها في أطوار التخليق طورا بعد طور وطبقا بعد طبق إلى أن صارت شخصا حيا ناطقا سميعا بصيرا عالما متكلما آمرا ناهيا مسلطا على طير السماء وحيتان الماء ووحوش الفلوات عالما بما لا يعلمه غيره من المخلوقات ( قتل الإنسان ما أكفره من أي شيء خلقه من نطفة خلقه فقدره ثم السبيل يسره ثم أماته فأقبره ثم إذا شاء أنشره ) عبس 22 - 15
● [ فصل ] ●

وقد زعم طائفة ممن تكلم في خلق الإنسان أنه إنما يعطى السمع والبصر بعد ولادته وخروجه من بطن أمه واحتج بقوله تعالى ( والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون ) النحل 77 واحتج أنه في بطن الأم لا يرى شيئا ولا يسمع صوتا فلم يكن لإعطائه السمع والبصر هناك فائدة وليس ما قاله صحيحا ولا حجة له في الآية لأن الواو لا ترتيب فيها بل الآية حجة عليه فإن فؤاده مخلوق وهو في بطن أمه وقد تقدم حديث حذيفة بن أسيد والصحيح إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وهذا وإن كان المراد به العين والأذن فالقوة السامعة والباصرة مودوعة فيها وأما الإدراك بالفعل فهو موقوف على زوال الحجاب المانع منه فلما زال بالخروج من البطن عمل المقتضى عمله والله أعلم
● [ فصل ] ●

في ذكر أحوال الجنين بعد تحريكه وانقلابه عند تمام نصف السنة يعرض للجنين في هذا الوقت أن يهتك غشاؤه والحجب التي عليه وأن ينتقل عن مكانه نحو فم الرحم فإن كان الجنين قويا وكانت أغشيته التي تغشيه وسرته أضعف تم الولاد وإن كان الجنين ضعيفا وأغشيته وسرته أقوى فإما أن يهتكها بعض الهتك ولا يولد فيبقى مريضا أربعين يوما إلى تمام آخر الشهر الثامن فإن ولد في هذه الأربعين يوما مات ولم يمكن تربيته ولا بقاؤه وإن هو هتك أغشيته كل الهتك حتى يمكن تلافي ذلك ولم يولد مات فإن لم يسقط والا قتل الحامل به وإن تهتك أغشيته هتكا يمكن تلافيه بقي ولم يمت ومكث في موضعه الذي تحرك نحوه وانقلب إليه عند فم الفرج وإنما يعرض لهم المرض في هذه الأربعين يوما إذا لم يولدوا بعد تحركهم لأنهم ينقلبون عن مكانهم الذي نشؤوا فيه وتتغير مواضعهم وانخلاع السرة بانتقاله ولأن أمهاتهم يعرض لهن أن يمرضن عند ذلك لتمدد الأغشية وانخلاع السرة المتصلة بالرحم منهن ولأن الجنين إذا انحل رباطه ثقل على أمه
● [ فصل ] ●

في سبب الشبه للأبوين أو أحدهما وسبب الإذكار والإيناث وهل لهما علامة وقت الحمل أم لا
تقدم ذكر قوله تعالى ( هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء ) آل عمران 6 وثبت في الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن أم سليم سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل فقال إذا رأت المرأة ذلك فلتغتسل فقالت أم سليم واستحيت من ذلك وهل يكون هذا فقال النبي نعم فمن أين يكون الشبه ماء الرجل غليظ أبيض وماء المرأة رقيق أصفر فمن أيهما علا أو سبق يكون منه الشبه
وفي صحيح مسلم عن عائشة أن المرأة قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم هل تغتسل المرأة إذا حلمت فأبصرت الماء فقال نعم فقالت لها عائشة تربت يداك فقال رسول الله دعيها وهل يكون الشبه إلا من قبل ذلك إذا علا ماؤها ماء الرجل أشبه الولد أخواله وإذا علا ماء الرجل ماءها أشبه أعمامه
وفي صحيح مسلم عن ثوبان قال كنت قائما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء حبر من أحبار اليهود فقال السلام عليك يا محمد فدفعته دفعة كاد يصرع منها فقال لم تدفعني فقلت ألا تقول يا رسول الله فقال اليهودي إنما ندعوه باسمه الذي سماه به أهله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اسمي محمد الذي سماني به أهلي فقال اليهودي جئت أسألك فقال رسول الله أينفعك شىء إن حدثتك فقال أسمع بأذني فنكت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعود معه فقال سل فقال اليهودي أين يكون الناس حين تبدل الأرض غير الأرض والسماوات فقال رسول الله هم في الظلمة دون الجسر فقال فمن أول الناس إجازة يوم القيامة قال فقراء المهاجرين قال اليهودي فما تحفتهم حين يدخلون الجنة قال زيادة كبد النون قال فما غذاؤهم على إثرها قال ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها قال فما شرابهم عليه قال عينا فيها تسمى سلسبيلا قال صدقت قال أردت أن أسألك عن شيء لا يعلمه أحد من أهل الأرض إلا نبي أو رجل أو رجلان
قال ينفعك إن حدثتك قال أسمع بأذني قال جئت أسألك عن الولد قال ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر فإذا اجتمعا فعلا مني الرجل مني المرأة أذكر بإذن الله وإذا علا مني المرأة مني الرجل آنثا بإذن الله تعالى فقال اليهودي لقد صدقت وإنك لنبي ثم انصرف فذهب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد سألني عن الذي سألني عنه ومالي علم بشيء منه حتى أتاني الله عز و جل به
وفي مسند الإمام أحمد من حديث القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن عبد الله هو ابن مسعود قال مر يهودي برسول الله وهو يحدث أصحابه فقال رجل من قريش يا يهودي إن هذا يزعم أنه نبي فقال لأسألنه عن شيء لا يعلمه إلا نبي فجاء حتى جلس ثم قال يا محمد ممم يخلق الإنسان قال يا يهودي من كل يخلق من نطفة الرجل ومن نطفة المرأة فأما نطفة الرجل فنطفة غليظة منها العظم والعصب وأما نطفة المرأة فنطفة رقيقة منها اللحم والدم فقام اليهودي فقال هكذا كان يقول من قبلك
فتضمنت هذه الأحاديث أمورا أحدها أن الجنين يخلق من ماء الرجل وماء المرأة خلافا لمن يزعم من الطبائعيين أنه إنما يخلق من ماء الرجل وحده وقد قال تعالى ( فلينظر الإنسان مم خلق ; خلق من ماء من ماء دافق ; يخرج من بين الصلب والترائب ) الطارق 7 - 5 قال الزجاج قال أهل اللغة التربية موضع القلادة من الصدر والجمع ترائب وقال أبو عبيدة الترائب معلق الحلي من الصدر وهو قول جميع أهل اللغة وقال عطاء عن ابن عباس يريد صلب الرجل وترائب المرأة وهو موضع قلادتها وهذا قول الكلبي ومقاتل وسفيان وجمهور أهل التفسير وهو المطابق لهذه الأحاديث وبذلك أجرى الله العادة في أيجاد ما يوجده من بين أصلين كالحيوان والنبات وغيرهما من المخلوقات فالحيوان ينعقد من ماء الذكر وماء الأنثى كما ينعقد النبات من الماء والتراب والهواء ولهذا قال الله تعالى ( بديع السموات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة ) الأنعام 1 : 1 فإن الولد لا يتكون إلا من بين الذكر وصاحبته و لا ينتقض هذا بآدم وحواء أبوينا ولا بالمسيح فإن الله سبحانه مزج تراب آدم بالماء حتى صار طينا ثم أرسل عليه الهواء والشمس حتى صار كالفخار ثم نفخ فيه الروح وكانت حواء مستلة منه وجزءا من أجزائه والمسيح خلق من ماء مريم ونفخة الملك وكانت النفخة له كالأب لغيره.
● [ يتم متابعة الباب السابع عشر ] ●


تحفة المودود بأحكام المولود
محمد بن أبي بكر ابن القيم الجوزية
منتدى ميراث الرسول - البوابة


    الوقت/التاريخ الآن هو الأحد 20 يناير 2019 - 4:23