ختام أحداث سنة سبع وعشرين ومائتين والف

شاطر

كراكيب
Admin

عدد المساهمات : 1612
تاريخ التسجيل : 01/01/2014

ختام أحداث سنة سبع وعشرين ومائتين والف

مُساهمة من طرف كراكيب في الإثنين 7 مايو 2018 - 8:29


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
مكتبة التاريخ
عجائب الآثار
الجزء الأول

{ الفصل الثاني }
في ذكر حوادث مصر وولاتها واعيانها ووفيات
فى سني الملاحم العظيمة والحوادث الجسيمة
{ بقية أحداث شهر ذي الحجة سنة 1227 }

ومنها شحة الحطب الرومي في هذه السنة واذا ورد منه شيء حجزه الباشا لاحتياجاته فلايرى الناس منه شيئا فكان الحطابة يبيعون بدله خشب الاشجار المقطوعة من القطر المصري وافضلها السنط فيباع منه الحملة بثلثمائة نصف فضة واجرة حملها عشرة وتكسيرها عشرة وعز وجود الفحم أيضا حتى بيعت الاقة بعشرين نصفا وذلك لانقطاع الجالب الا ما ياتي قليلا من ناحية الصعيد مع العسكر يتسببون فيه ويبيعونه بأغلى ثمن كل حصيرة باثني عشر قرشا وهي دون القنطار وكانت تباع في السابق بستين نصفا وهي قرش ونصف غير ذلك امور واحداثات واتبداعات لايمكن استقصاؤها ولم يصل الينا خبرها اذ لايصل الينا الا ما تعلقت به اللوازم والاحتياجات الكلية وقد يستدل بالبعض على الكل واما من مات في هذه السنة ممن له ذكر فمات الشيخ الامام العلامة والنحرير الفهامة الفقيه الاصولي النحوي شيخ الاسلام والمسلمين الشيخ عبد الله بن حجازي بن ابراهيم الشافعي الازهري الشهير بالشرقاوي شيخ الجامع الازهر ولد ببلدة تسمى الطويلة بشرقية بلبيس بالقرب من القرن في حدود الخمسين بعد المائة وتربى بالقرين فلما ترعرع وحفظ القرآن قدم الى الجامع الازهر وسمع الكثير من الشهابين الملوي والجوهري والحفني واخيه يوسف الدمنهوري والبليدي وعطية الاجهوري ومحمد الفارسي وعلي المنسفيسي الشهير بالصعيدي وعمر الطحلاوي وسمع الموطأ فقط على علي بن العربي الشهير بالسقاط وبآخره تلقن بالسلوك والطريقة على شيخنا الشيخ محمود الكردي ولازمه وحضر معنا في اذكاره وجمعياته ودرس الدروس بالجامع الازهر وبمدرسة السنانية بالصنادقية وبرواق الجبرت والطيبرسية وافتى في مذهبه وتميز في الالقاء والتحرير وله مؤلفات داله على سعة فضله من ذلك حاشيته على التحرير وشرح نظم يحيى العمريطي وشرح العقائد المشرقية والمتن له أيضا وشرح مختصر في العقائد والفقه والتصوف مشهور في بلاد داغستان وشرح رسالة عبد الفتاح العادلي في العقائد ومختصر الشمائل وشرحه له ورسالة في لا اله الا الله ورسالة في مسئلة اصولية في جمع الجوامع وشرح الحكم والوصايا الكردية في التصوف وشرح ورد سحر للبكري ومختصر المغني في النحو وغير ذلك ولما اراد السلوك في طريق الخلوتيه ولقنه الشيخ الحفني الاسم الاول حصل له وله اختلال في عقله ومكث بالمارستان اياما ثم شفى ولازم الاقراء والافادة ثم تلقن من شيخنا الشيخ محمود الكردي وقطع الاسماء عليه والبسه التاج وواظب على مجالسته وكان في قلة من خشونة العيش وضيق المعيشة فلا يطبخ في داره الا نادرا وبعض معارفه يواسونه ويرسلون اليه الصحفة من الطعام او يدعونه ليأكل معهم ولما عرفه الناس واشتهر ذكره فواصله بعض تجار الشوام وغيرهم بالزكوات والهدايا والصلات فراج حاله وتجمل بالملابس وكبر تاجه ولما توفي الشيخ الكردي كان المترجم من جملة خلفائه وضم اليه اشخاصا من الطلبة والمجاورين الذين يحضرون في درسه يأتون اليه كل ليلة عشاء يذكرون معه ويعمل لهم في بعض الاحيان ثريدا ويذهب بهم الى بعض البيوت في مياتم الموتى وليالي السبح والجمع المعتادة ومعهم منشدون ومولهون ومن يقرا الاعشار عند ختم المجلس فياكلون العشاء ويسهرون حصة من الليل في الذكر والانشاد والتوله وينادون في انشادهم بقولهم يابكرى مدد يا حفني مدد يا شرقاوي مدد ثم ياتون اليهم بالطارى وهو الطعام بعد انقضاء المجلس ثم يعطونهم أيضا دراهم ثم اشترى له دار بحارة كتامة المسماة بالعينية وساعده في ثمنها بعض من يعاشره من المياسير وترك الذهاب الى البيوت الا في النادر واستمر على حالته حتى مات الشيخ احمد العروسي فتولى بعده مشيخة الجامع الازهر فزاد في تكبير عمامته وتعظيمها حتى كان يضرب بعظمها المثل وكانت تعارضت فيه وفي الشيخ مصطفى الصاوي ثم حصل الاتفاق على المترجم وان الشيخ الصاوي يستمر في وظيفة التدريس بالمدرسة الصلاحية المجاورة لضريح الامام الشافعي بعد صلاة العصر وهي من وظائف مشيخة الجامع
ولما تولاها الشيخ العروسي تعدى على الوظيفة المذكورة والشيخ محمد المصيلحي الضرير وكان يرى في نفسه انه احق بالمشيخة من العروسي فلم ينازعه فيها حسما للشر فلما مات المصيلحي تنزه عنها العروسي واجلس فيها الصاوي وحضر درسه في اول ابتدائه لكونه من خواص تلامذته فلما مات العروسي وتولى المترجم المشيخة اتفقوا على بقاء الصاوي في الوظيفة ومضى على ذلك اشهر ثم أن المجتمعين على الشرقاوي وسوسوا له وحرضوه على اخذ الوظيفة وان مشيخته لاتتم الا بها وكان مطواعا فكلم في ذلك الشيخ محمد ابن الجوهري وايوب بك الدفتردار ووافقاه على ذلك واغتر بهما وذهب بجماعته ومن انضم اليهم وهم كثيرون وقرا بها درسا فلم يحتمل الصاوي ذلك وتشاور مع ذوي الرأي والمكايد من رفقائه كالشيخ بدوي الهيتمي واضرابه فبيتوا امرهم وذهب الشيخ مصطفى الى رضوان كتخدا ابراهيم بك الكبير وله به صداقة ومعاملة ومقارضه فسامحه في مبلغ كان عليه له فعند ذلك اهتم رضوان كتخدا المذكور وحضر عند الشرقاوي وتكلم معه وافحمة ثم اجتمعوا في ثاني يوم ببيت الشرقاوي وحضر الصاوي وعزوته وباقي الجماعة فقال الشرقاوي اشهدوا ياجماعة أن هذه الوظيفة استحقاقي وانا نزلت عنها الى الشيخ مصطفى الصاوي فقال له الصاوي ارجع اما الآن فلا ولا جميلة لك الآن في ذلك وباكته بكلام كثير وبانفاذه لرأي من حوله وغير ذلك وانفض المجلس على منعه من الوظيفة واستمرار الصاوي فيها الى أن مات فعادت الى المترجم عند ذلك من غير منازع فواظب الاقراء فيها مدة وطالب سدنة الضريح بمعلومها فماطلوه فتشاجر معهم وسبهم فشكوه للمعاضدين لهم وهم اهل المكايد من الفقهاء وغيرهم وتعصبوا عليه وانهوا الى الباشا وضموا الى ذلك اشياء حتى اغروا عليه صدره واتفقوا على عزله من المشيخة ثم انحط الامر على أن يلزم داره ولايخرج منها ولايتداخل في شيء من الاشياء فكان ذلك اياما ثم عفا عنه الباشا بشفاعة القاضي فركب وقابله ولكن لم يعد الى القراءة في الوظيفة بل استناب فيها بعض الفقهاء وهو الشيخ محمد الشبراويني ولما حضرت الفرنساوية الى مصر في سنة ثلاث عشرة ومائتين والف ورتبوا ديوانا لاجراء الاحكام بين المسلمين جعلوا المترجم رئيس الديوان وانتفع في ايامهم بما يتحصل اليه من المعلوم المرتب له عن ذلك وقضايا وشفاعات لبعض الاجناد المصرية وجعالات على ذلك واستيلاء على تركات ودائع خرجت اربابها في حادثة الفرنساوية وهلكوا واتسعت عليه الدنيا وزاد طمعه فيا واشترى دار ابن بيرة بظاهر الازهر وهي دار واسعة من مساكن الامراء الاقدمين وزوجته بنت الشيخ علي الزغفراني هي التي تدبر امره وتحرز كل ما يأتيه ويجمعه ولا يروح ولا يغدو الا عن امرها ومشورتها وهي ام سيدي علي الموجود الآن وكانت قبل زواجه بها في قلة من العيش فلما كثرت عليه الدنيا اشترت الاملاك والعقار والحمامات والحوانيت بما يغل ايراده مبلغا في كل شهر له صورة وعمل مهما لزواج ابنه المذكور في ايام محمد باشا خسروسنة سبع عشرة ومائتين والف ودعا اليه الباشا وعيان الوقت فاجتمع اليه شيء كثير من الهدايا ولما حضر اليه الباشا انعم على ابنه باربعة اكياس عنها ثمانون ألف درهم وذلك خلاف البقاشيش واتفق للمترجم في ايام الامراء المصرية أن طائفة المجاورين بالازهر من الشرقاويين يقطنون بمدرسة الطيبرسية بباب الازهر وعمل لهم المترجم خزائن برواق معمر فوقع بينهم وبين المجاورين بها مشاجرة فضربوا نقيب الرواق فتعصب لهم الشيخ ابراهيم السجيني شيخ الرواق على الشرقاويين ومنعوهم من الطيبرسية وخزائنها وقهروا المترجم وطائفته فتوسط بامراة عمياء فقيهة تحضر عنده في درسه الى عديلة هانم ابنة ابراهيم بك فكلمت زوجها ابراهيم بك المعروف بالوالي بأن يبني له مكانا خاصا بطائفته فأجابه الى ذلك واخذ سكنا امام الجامع المجاور لمدرسة الجوهرية من غير ثمن واضاف اليه قطعة اخرى وانشأ ذلك رواقا خاصا بهم ونقل اليه الاحجار والعامود والرخام الذي بوسطة من جامع الملك الظاهر بيبرس خارج الحسينية وهو تحت نظر الشيخ ابراهيم السجيني ليكون ذلك نكاية له نظير تعصبه عليه وعمل به قوائم وخزائن واشترى له غلال من جريات السون واضافها الى اخباز الجامع وادخلها في دفتره يستلمها خباز الجامع ويصرفها خبز قرصه لاهل ذلك الرواق في كل يوم ووزعها على الانفار الذين اختارهم من اهل بلاده ومما اتفق للمترجم أن بخارج باب البرقية خانكاه انشأتها خوند طغاي الناصرية بالصحراء على يمنة السالك الى وهدة الجبانة المعروفة الان بالبستان وكان الناظر عليها شخص من شهود المحكمة يقال له ابن الشاهيني فلما مات تقرر في نظيرها المترجم واستولى على جهات ايرادها فلما ولج الفرنساوية اراضي مصر واحدثوا القلاع فوق التلول والاماكن المستعلية حوالي المدينة هدموا منارة هذه الخانكاه وبعض الحوائط الشمالية وتركوها على ذلك فلما ارتحلوا عن ارض مصر بقيت على وضعها في التخرب وكانت ساقيتها تجاه بابها في علوة يصعد اليها بمزلقان ويجري الماء منها الى الخانكاه على حائط مبنى وبه قنطرة يمر من تحتها المارون وتحت الساقية حوض لسقي الدواب وقد ادركنا ذلك وشاهدنا دوران الثور في الساقية ثم أن المترجم ابطل تلك الساقية وبنى مكانها زاوية وعمل لنفسه بها مدفنا وعقد عليه قبة وجعل تحتها مقصورة بداخلها تابوت عال مربع وعلى اركانه عساكر فضة وبنى بجانبها قصرا ملاصقا لها يحتوي على اروقة ومساكن ومطبخ وكلار وذهبت الساقية في ضمن ذلك وجعلها بئر وعليه خرزة يملؤن منها بالدلو ونسيت تلك الساقية وانطمست معالمها وكأنها لم تكن وقد ذكر هذه الخانكاه العلامة المقريزي في خططه عند ذكر الخوانك لابأس بإيراد ما نصه للمناسبة فقال خانكاه ام انوك هذه الخانكا خارج باب البرقية بالصحراء انشأتها الخاتون طغاي تجاه تربة الامير طاشتمر الساقي
فجاءت من اجل المباني وجعلت بها صوفية وقراء ووقفت عليها الاوقاف الكثيرة وقررت لكل جارية من جواريها مرتبا يقوم بها ثم ترجمها بقوله طغاي الخوندة الكبرى زوج السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون وام ابنه الامير آنوك كانت من جملة امائه فأعتقها وتزوجها ويقال انها اخت الامير آفبغا عبد الواحد وكانت بديعة الحسن باهرة الجمال من السعادة مالم يره غيرها من نساء ملوك الترك بمصر وتنعمت في ملاذ ما وصل سواها لمثلها ولم يدم السلطان على محبة امرأة سواها وصارت خوندة بعد ابنة توكاي اكبر نسائه حتى من ابنه الامير تنكز وحج بها القاضي كريم الدين الكبير واحتفل بامرها وحمل لها البقول في محايرطين على ظهور الجمال واخذ لها الابقار الحلابة فسارت معها طول الطريق لاجل اللبن الطري و الجبن وكان يقلي لها الجبن في الغداء والعشاء وناهيك بمن وصل الى مداومة البقل والجبن واللبن في كل يوم بطريق الحج فما عساه يكون بعد ذلك وكان القاضي كريم الدين وامير مجلس وعدة من الامراء يترجلون عند النزول ويسيرون بين يدي محفتها ويقبلون الارض لها كما يفعلون بالسلطان ثم حج بها الامير بشتاك في سنة تسع وثلاثين وسبعمائة وكان الامير تنكز اذا جهز من دمشق تقدمة للسلطان لابدان يكون لخوند طغاي منها جزء وافر فلما مات السلطان الملك الناصر استمرت عظمتها من بعده الى أن ماتت في شهر شوال سنة تسع واربعين وسبعمائة ايام الوباء عن ألف جارية وثمانين خصيا واموال كثيرة جدا وكانت عفيفة طاهرة كثيرة الخير والصدقات والمعروف جهزت سائر جواريها وجعلت على قبر ابنها بقبة المدرسة الناصرية بين القصرين قراء ووقفت على ذلك وقفا وجعلت من جملته خبزا يفرق على الفقراء ودفنت بهذه الخانكاه وهي من اعمر الاماكن الى يومنا هذا انتهى كلامه
يقول الحقير اني دخلت هذه الخانكاه في اواخر القرن الماضي فوجدت بها روحانية لطيفة وبها مساكن وسكان قاطنون بها وفيهم اصحاب الوظائف مثل المؤذن والوقاد والكناس والملاء ودخلت الى مدفن الواقفة وعلى قبرها تركيبة من الرخام الابيض وعند رأسها ختمة شريفة كبيرة على كرسي بخط جليل وهي مذهبة وعليها اسم الواقفة رحمها الله تعالى فلوان الشيخ المترجم عمر هذه الخانكاه بدل هذا الذي ارتكبه من تخريبها لكان له بذلك منقبة وذكر حسن في حياته وبعد مماته وبالله التوفيق وللمترجم طبقات جمعها في تراجم الفقهاء الشافعية المتقدمين والمتأخرين من اهل عصره ومن قبلهم من اهل القرن الثاني عشر نقل تراجم المقتدمين من طبقات السبكي والاسنوى واما المتأخرون فنقلهم من تاريخنا هذا بالحرف الواحد واظن أن ذلك آخر تأليفاته وعمل تاريخا قبله مختصرا في نحو اربعة كراريس عند قدوم الوزير يوسف باشا الى مصر وخروج الفرنساوية منها واهداه اليه عدد في ملوك مصر وذكر في آخره خروج الفرنسيس ودخول العثمانية في نحو ورقتين وهو في غاية البرود وغلط فيه غلطات منها انه ذكر الاشرف شعبان ابن الامير حسن بن الناصر محمد بن قلاوون فجعله ابن السلطان حسن ونحو ذلك ولم يزل المترجم حتى تعلل ومات في يوم الخميس ثاني شهر شوال من السنة وصلى عليه بالازهر في جمع كثير ودفن بمدفنه الذي بناه لنفسه كما ذكر ووضعوا له تابوته المذكور عمامة كبيرة اكبر من طبيزيته التي كان يلبسها في حياته بكثير وعموها بشاش اخضر وعصبوها بشال كشميري احمر ووقف شخص عند باب مقصورته وبيده مقرعة يدعو الناس لزيارته ويأخذ منهم دراهم ثم أن زوجته وابنها ومن يلوذ بهم ابتدعوا له مولدا وعيدا في ايام مولد العفيفي وكتبوا بذلك فرمانا من الباشا ونادى به تابع الشرطة بأسواق المدينة على الناس بالاجتماع والحضور لذلك المولد وكتبوا اوراقا ورسائل للاعيان واصحاب المظاهر وغيرهم بالحضور وذبحوا ذبائح واحضروا طباخين وفراشين مدوا اسمطة بها انواع الاطعمة والحلاوات والمحمرات والخشافات لمن حضر من الفقهاء والمشايخ والاعيان وارباب الاشارير والبدع ونصبوا قالبة تلك القبة صواري علقوا بها قناديل وبيارق وشراريب حمرا وصفرا يلوحها الريح واجتمع حول ذلك من غوغاء الناس وعملوا قهاوي وبياعين الحلو والمخللات والترمس المملح والفول المقلي ودهسوا ما بتلك البقعة من قبور الاموات واوقدوا بها النيران وصبوا عليها والقاذورات مع مايلحقهم من البول والغائط واما ضجة الاوباش والاولاد وصراخهم وفرقعتهم بالبارود وصياحهم وضجيجهم فقد شاهدنا به ما كنا نسمعه من عفاريت الترب وضرب المثل بهم فهم اقبح منهم فإن العفاريت الحقيقية لم نر لهم افعالا مثل هذه
ولما مات الشيخ المترجم ومضى على موته ثلاثة ايام اجتمع المشايخ في يوم الاحد خامسه وطلعوا الى القعلة ودخلوا الى الباشا وذكروا له موت المترجم ويستأذنوه فيمن يجعلونه شيخا على الازهر فقال لهم الباشا اعملوا رأيكم واختاروا شخصا يكون خاليا عن الاغراض وانا اقلده ذلك فقاموا من مجلسه ونزلوا الى بيوتهم واختلفت آراؤهم فالبعض اختار الشيخ المهدي والبعض ذكر الشيخ محمد الشنواني واما الشيخ محمد الامير فانه امتنع من ذلك وكذلك ابن الشيخ العروسي والشيخ الشنواني المذكور منعزل عنهم وليس له درس بالازهر ويقرأ دروسه بجامع الفاكهاني الذي في العقادين وبيده وظائف خدم الجامع وعند فراغه من الدروس يغير ثيابه ويكنس المسجد ويغسل القناديل ويعمرها بالزيت والفتائل حتى يكنس المراحيض فلما بلغه انهم ذكروه تغيب ثم أن الباشا امر القاضي وهو بهجة افندي بأن يجمع المشايخ عنده ويتفقوا على شخص يجتمع رأيهم عليه بالشرط المذكور فارسل اليهم القاضي وجمعهم وذلك في يوم الثلاثاء سابعه وحضر فقهاء الشافعية مثل القويسني والفضالي وكثير من المجاورين والشوام والمغاربة فسأل القاضي هل بقي احد فقالوا لم يكن احد غائبا عن الحضور الا ابن العروسي والهيثمي والشنواني فأرسلوا اليهم فحضر العروسي والهيثمي فقال واين الشنواني فلا بد من حضوره فأرسلوا رسولا فغاب ورجع وبيده ورقة ويقول الرسول انه له ثلاثة ايام غائبا عن داره وترك هذه الورقة عند اهله وقال أن طلبوني اعطوهم هذه الورقة فاخذها القاضي وقرأها جهارا يقول فيها بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم لحضرة شيخ الاسلام اننا نزلنا عن المشيخة للشيخ بدوي الهيثمي الى آخر ما قال فعندما سمع الحاضرون ذلك القول قاموا قومة واكثرهم طائفة الشوام وقال بعضهم هو لم يثبت له مشيخة حتى انه ينزل عنها لغيره وقال كبارهم من المدرسين لايكون شيخا الا من يدرس العلوم ويفيد الطلبة وزادوا في اللغط فقال القاضي ومن الذي ترضونه فقالوا نرضى الشيخ المهدي وكذلك قال البقية وقاموا وصافحوه وقراوا الفاتحة وكتب القاضي اعلاما الى الباشا بما يحصل وانفض الجمع وركب الشيخ المهدي الى بيته في كبكبة وحوله وخلفه المشايخ وطوائف المجاورين وشربوا الشربات واقبلت عليه الناس للتهنئة وانتظر جواب الاعلام بقية ذلك اليوم فلم يأت الجواب ومضى اليوم الثاني والمدبرون يدبرون شغلهم واحضروا الشيخ الشنواني من المكان الذي كان متغيبا فيه بمصر القديمة وتمموا شغلهم واحضروا السيد منصور اليافاوي المنفصل عن مشيخة الشوام ليلا ليعيدوه الى مشيخة الشوام ويمنعوا الشيخ قاسما المتولي فعالة ولطائفته الذين تطاولوا في مجلس القاضي بالكلام وجمعوا بقية المشايخ آخر الليل وركبوا في الصباح الى القلعة فقابلوا الباشا فخلع على الشيخ محمد الشنواني فروة سمور وجعله شيخا على الازهر وكذلك على السيد منصور اليافاوي ليكون شيخا على رواق الشوام كما كان في السابق ثم نزلوا وركبوا وصحبتهم آغات الينكجرية بهيئة الموكب وعلى راسه المجوزة الكبيرة وامامه الملازمون بالبراقع والريش على روؤسهم وما زالوا سائرين حتى دخلوا حارة خوشقدم فنزلوا بدار ابن الزليجي لان دار ذات الشيخ الشنواني صغيرة وضيقة لاتسع ذلك الجمع والذي انزله في ذلك المنزل السيد محمد المحروقي وقام له بجميع الاحتياجات وارسل من الليل الطباخين والفراشين والاغنام والارز والحطب والسمن والعسل والسكر والقهوة واوقف عبيده وخدمه لخدمة القادمين للسلام والتهنئة ومناولة القهوة والشربات والبخور وماء الورد وازدحمت الناس عليه واتوا افواجا اليه وكان ذك يوم الثلاثاء رابع عشره ووصل الخبر الى الشيخ المهدي ومن معه وحصل لهم كسوف وبطلت مشيخته ولما كان يوم الجمعة حضر الشيخ الجديد الى الازهر وصلى الجمعة وحضر باقي المشايخ وعملوا الختم للشيخ الشرقاوي وحصل ازدحام عظيم وخصوصا للتفرج على الشيخ الجديد وكأنه لم يكن طول دهره بينهم ولايلتفتون اليه وبعد فراغ الختم انشد المنشد قصيدة يرثي بها المتوفي من نظم الشيخ عبد الله العدوي المعروف بالقاضي وانفض الجمع
ومات الاستاذ المكرم بقية السلف الصالحين ونتيجة الخلف المعتقد الشيخ محمد المنكى ابا السعود ابن الشيخ محمد جلال بن الشيخ محمد افندي المكنى بأبي المكارم بن السيد عبدالمنعم بن السيد محمد المكنى بأبي السرور صاحب الترجمة بن السيد القطب الملقب بابي السرور البكري الصديقي العمري من جهة الام تولى خلافة سجادتهم في سنة سبع عشرة ومائتين والف عندما عزل ابن عمه السيد خليل البكري ولم تكن الخلافة في فرعهم بل كانت في اولاد الشيخ احمد بن عبد المنعم وآخرهم السيد خليل المذكور فلما حضرت العثمانية الى مصر واستقر في ولايتها محمد باشا خسروا سعي في السيد خليل الكارهون له وانهوا اليه فيه ورموه بالقبائح ومنها تداخله في الفرنسيس وامتزاجه بهم وعزلوه من نقابة الاشراف وردت للسيد عمر مكرم ولم يكتفوا بذلك وذكروا انه لايصلح لخلافة البكرية فقال الباشا وهل موجود في اولادهم خلافة قالوا نعم وذكروا المترجم فيمن ذكروه وانه قد طعن في السن وفقير من المال فقال الباشا الفقر لاينفي النسب وامر له بفرس وسرج وعباءة كعادة مركوبهم فاحضروه ه والبسوه التاج والفرجية وخلع عليه الباشا فروة سمور وانعم عليه بخمسة اكياس وان يأخذ له فائظا في بعض الاقطاعات ويعفى من الحلوان وسكن بدار جهة باب الخرق وراج امره واشتهر 1 كره من حينئذ وسار سيرا حسنا مقرونا بالكمال جاريا على نسق نظامهم بحسب الحال ويتحاكم لديه خلفاء الطرائق الصورية واصحاب الاشاير البدعية كالاحمدية الرفاعية والبرهامية والقادرية فيفصل قوانينهم العادية وينتقل في اوائل شهر ربيع الاول الى داره بالازبكية بدرب عبد الحق فيعمل هناك وليمة المولد النبوي على العادة وكذلك مولد المعراج في شهر رجب بزاوية الدشطوطي خارج باب العدوى ولم يزل على حالته وطريقته مع انكسار النفس الى أن ضعفت قواه وتعلل ولازم الفراش فعند ذلك طلب الشيخ الشنواني وباقي المشايخ وعرفهم أن مرضه الذي هو به مرض الموت لأنه بلغ التسعين وزيادة وانه عهد بالخلافة على سجادتهم لولده السيد محمد لأنه بالغ رشيد والتمس منهم بأن يركبوا معه من الغد ويطلعوا الى القلعة ويقابلوا به الباشا فأجابوه الى ذلك وركبوا من الغد صحبته الى القعلة فخلع عليه الباشا فروة سمور ونزل على داره بالازبكية بدرب عبد الحق وتوفي المترجم في اواخر شهر شوال من السنة وحضروا بجنازته الى الازهر فصلوا عليه وذهبوا به الى القرافة ودفن بمشهد اسلافهم رحمه الله تعالى
ومات الاجل المكرم المذهب في نفسه النادرة في ابناء جنسه محمد افندي الودنلي الذي عرف بناظر المهمات ويعرف أيضا بطبل أي الاعرج لانه كان به عرج قدم الى مصر في ايام قدوم الوزير يوسف باشا وولاه محمد باشا خسرو كشوفية اسيوط ثم رجع الى مصر في ولاية محمد علي باشا فجعله ناظرا على مهمات الدولة وسكن ببيت سليمان افندي ميسوا بعطفة أبي كلبة بناحية الدرب الاحمر فتقيد بعمل الخيام والسروج واليرقات ولوازم الحروب فضاقت عليه الدار فاشترى بيت ابن الدالي باللبودية بالقرب من قنطرة عمر شاه وهي دار واسعة عظيمة متخربة هي وما حولها من الدور والرباع والحوانيت فعمرها وسكن بها ورتب بها ورشات ارباب الأشغال والصنائع والمهمات المتعلقة بالدولة كسبك المدافع والجلل والقنابر والمكاحل والعربات وغير ذلك من الخيام والسروج ومصاريف طوائف العساكر الطبجية والعربجية والرماة وعمر ماحول تلك الدار من الرباع والحوانيت والمسجد الذي بجواره ومكتبا لاقراء الاطفال ورتب تدريسا في المسجد المذكور بعد العصر وقرر فيه السيد احمد الطحطاوي الحنفي ومعه عشرة من الطلبة ورتب لهم ألف عثماني تصرف لهم من الروزنامة وللأطفال وكسوتهم خلاف ذلك ويشتري في عيد الاضحى جواميس وكباشا يذبح منها ويفرق على الفقراء والموظفين ويرسل الى اصحابه عدة كباش في عيد الاضحية الى بيوتهم الكبش والكبشين على قدر مقاديرهم ويرسل في كل ليلة من ليالي رمضان عدة قصاع مملوءة بالثريد واللحم الى الفقراء بالجامع الازهر واتفق أن الباشا قصد تعمير المجراة والسواقي التي تنقل الماء من النيل الى القلعة وكانت قد تهدمت وتخربت وتلاشت وبطل عملها مدة سنين فأحضروا المعمارجية فهولوا عليه امرها واخبروه انها تحتاج خمسمائة كيس تنفق في عمارتها فعرض ذلك على المترجم فقال له انا اعمرها بمائة كيس قال كيف تقول قال بل بثمانين كيسا والتزم بذلك ثم شرع في عمارتها حتى اتمها على ماهي عليه الآن واهدى اليه رجال دولتهم عدة انوار معونة له فعمر أيضا سواقيها وادارها وجرى فيها الماء الى القلعة ونواحيها وانتفع بها أهل تلك الجهات ورخص الماء وكثر في تلك الاخطاط وكانوا قاسوا شدة من عدم الماء عدة سنين ومما عد من مناقبه أن القلقات المقيدين بالمراكز وأبواب المدينة كانوا يأخذون من الواردين والداخلين والخارجين والمسافرين من الفلاحين وغيرهم ومعهم اشياء او احمال ولو حطبا او برسيما او تبنا او سرجينا دراهم على كل شيء ولو امراة فقيرة معها او على رأسها مقطف من رجيع البهائم تبيعه في الشارع وتقتات بثمنه فيحجزونها ولا يدعونها تمر حتى تدفع لهم نصف فضة ثم يأخذون أيضا من ذلك الشيء
ويأخذون على كل حمل حمار او بغل او جمل نصف فضة واذا اشترى شخص من ساحل بولاق او مصر القديمة اردب غلة او حملة حطب لعياله اخذ منه المتقيدون عند قنطرة الليمون فإذا خلص منهم استقبله الكائنون بالباب الحديد وهكذا سائر الطرق التي يدخل منها المارة الى المدينة ويخرجون مثل باب النصر وباب الفتوح وباب الشعرية وباب العدوى وطرق الازبكية وباب القرافة والبرقية وطرق مصر القديمة فسعى المترجم بإبطال ذلك وتكلم مع الباشا وعرفه تضرر الناس وخصوصا الفقراء وهؤلاء المتقيدون لهم علائف يقبضونها من الباشا كغيرهم وهذا قدر زائد فرخص له في ابطال هذا الامر وكتب له بيورلدى بمنع هؤلاء المركوزين عن اخذ شيء من الناس جملة كافية وقيد بكل مركز شخصا من اتباعه لمراقبتهم واشاع ذلك في الناس فانكفوا وامتنعوا عن اخذ شيءمن عامة الناس وكانوا يجمعون من ذلك مقادير من الفضة العددية يتقاسمونها آخر النهار وذلك خلاف ما يأخذونه من الاشياء المحمولة كالجبن والزبد والخيار والقثاء وانواع البطيخ والفاكهة والبرسيم والاحطاب والخضارات وغير ذلك ومن مناقبه أيضا أن الجاويشية والقواسة الاتراك المختصين بخدمة الباشا والكتخدا كان من عوائدهم القبيحة انهم في كل يوم جمعة يلبسون احسن ملابسهم وينتشرون بالمدينة ويطوفون على بيوت الاعيان وارباب المظاهر واصحاب المناصب ويأخذون منهم البقاشيش ويسمونها الجمعية فما هو ألا أن يصطبح احد من ذكر ويجلس مجلسه ألا واثنان او ثلاثة عابرون عليه من غير استئذان فيقفون قبالته وبأيديهم العصي المفضضة فيعطيهم القرشين او الثلاثة بحسب منصبه ومقامه فاذا ذهبوا وانصرفوا حضر اليه خلافهم وهكذا ولا يرون في ذلك ثقلا ولا رذالة بل يرون أن ذلك من اللازمات الواجبة فلا يكفي احد المقصودين الخمسون قرشا او اقل او اكثر في ذلك اليوم تذهب سبهللا فكان منهم من ينقطع في حريمه ذلك اليوم او يتوارى ويتغيب عن منزله فاذا صادفوه مرة اخرى ذاكروه فيما فاتهم في السابق فإما سامحوه وامتنوا عليه بتركها او طالبوه بها أا لم يكن ممن يخشوه فسعى أيضا المترجم مع الباشا في منعهم من ذلك
ومن مساويه انه اول من فتح باب الزيادة في متحصل الضربخانة حتى تنبه الباشا من ذلك الوقت لاهل الضربخانة واوقع بهم ما تقدم ذكره ومنها احداث المكس على اللبان والحناء والصمغ على ما قيل ومن ذا الذي نرضى سجاياه كلها كفى المرء نبلا أن تعد معايبه وبالجملة فمن رأس العين يأتي الكدر كما قاله الليث بن سعد لمما ساله الرشيد وقال له يا ابا الحرث ما صلاح امر زراعتها وجدبها وخصبها فبالنيل واما صلاح احكامها فمن رأس العين يأتي الكدر فقال له صدقت ذكر ذلك الحافظ بن حجر في المرحمة الغيثية في الترجمة الليثية وعلى كل فكان المترجم احسن من رأينا في هذه الدولة وكان قريبا من الخير وفعله مواظبا على الصلوات الخمس في اوقاتها ملازما على الاشتغال ومطالعة الكتب والممارسة في دقائق الفنون واقتنى كتبا كثيرة في سائر الفنون واستنباط الصنائع حتى انه صنع الجوخ الملون الذي يعمل ببلاد الافرنج ويجلب الى الآفاق ويلبسه الناس للتجمل وكان قل وجوده بمصر وغلا ثمنه فعمل عدة انوال ومناسج غريبة الوضع واحضر اشخاصا من النساجين فنسجوا الصوف بعد غزله مدات حددها لهم في الطول والعرض ثم بتسلمه رجال اعدهم لتخميره وتلبيده بالقلي والصابون منشورا ومطويا بكيفيات في اوقات وايام بماشرته لهم في العمل واشارته ثم يضعونه مطويا في احواض من خشب ثخين مزفت تمتلىء بالماء من ساقية صنعها لخصوص ذلك يصب منها الماء الى تلك الاحواض تديرها الاثوار وعلى تلك الاحواض مدقات شبيهة بمدقات الارز تتحرك في صعودها وهبوطها من ترس خاص يدور بدوران الساقية وما يفيض من ماء الاحواض يجرى الى بستان زرعه حول ذلك فيسقي ما به من الاشجار والمزارع فلا يذهب الماء هدرا ثم يخرجونه بعد ذلك ويبردخونه ويصبغونه بانواع الاصباغ ويضعونه في مكبس كبير يقال له التخت صنعه لذلك وعند ذلك يتم عمله فكان الناس يذهبون للتفرج على ذلك لغرابته عندهم ثم حضر اليه شخص فرنساوي واشار عليه بإشارات في تغيير المدقات وافسد العمل واشتغل هو بكثرة المهمات فتكاسل عن اعادتها ثانيا وبطل ذلك وكان مع كثرة اشغاله ومصاريفه ليس كاتب بل يكتب ويحسب لنفسه وبين يديه عدة دفاتر لكل شيء دفتر مخصوص ولا يشغله شيء عن شيء ولما اتسعت دائرته وكثرت حاشيته واجتمعت فيه عدة مناصب مضافة لنظر المهمات مثل معمل البارود وقاعة الفضة ومدابغ الجلود وغير ذلك فكان كتخدا بك يحقد عليه في الباطن لامور بينهما حتى قيل أن نفسه طمحت في الكتخدائية فكان يتصدر في الامور والقضايا ويرافع ويدافع ويهزل مع الباشا ويضاحكه ويرادده ويدخل عليه من غير استئذان فلم يزل الكتخدا يلقي فيه الدسائس ويعمل معدل الاشغال التي تحت نظره ويعرف الباشا بما يتوفر من ذلك حتى نزعه من نظارة جميع المهمات وقلدها صالح كتخدا الرزاز
ومما نقمه عليه أن الكتخدا حضر لزيارة المشهد الحسيني في عصرية يوم من رمضان ثم ركب متوجها الى داره قبيل الغروب فصادف في طريقه عدة قصاع كبار مغطاءة تحملها الرجال فسأل عنها فعرفوه أن المترجم يرسلها في كل ليلة من ليالي رمضان الى فقراء الجامع الازهر وبها الثريد واللحم فامتعض من ذلك وعرف الباشا انه يؤلف الناس ويتوادد اليهم بأموالك ونحو ذلك واستمر المترجم بطالا نحو السنتين ولم يتضعضع ولم يظهر عليه تغير ونظامه ومطبخه على حاله وطعامه مبذول وراتبه جار وفي تلك المدة اشتغل بمطالعة الكتب والممارسة والمدارسة وعانى الحسابيات وصناعة التقويم حتى مهر في ذلك وعمل الدستور السنوي وما يشتمل عليه من تقويم الكواكب السيارة وتداخل التواريخ والاهلة والاجتماعات والاستقبالات وطوالع التحاويل والنصبات ويصنع بيده أيضا الصنائع الفائقة مثل الظروف التي تاتي من بلاد الهند والافرنج والروم ويضع فيها الكتبة محاربهم واقلامهم فيصنعها اولا من الخشب الرقيق والقرطاس المقوم المتلاصق ويصبغها وينقشها بانواع الليق ويعيد على النقوشات بالسندروس المحلول ويضعها في صندوق من الزجاج صنعه لخصوص تلك الاشياء والقبورات وجفاف دهانها بحرارة الشمس المحجوب بالزجاج عن الهواء والغبار وعند تمامها تكون في غاية الحسن والظرافة والبهجة بحيث ر يشك من يراها بأنها من صناعة الهند او الافرنج المتقنين الصناعة وكان كلما سمع بشخص ذي معرفة لصناعة من الصنائع او المعارف اجتهد في تحصيلها وتلقيها عنه بأي وجه كان ولو ببذل الرغائب واعد بمنزله اماكن لاشخاص من ارباب المعارف ينزلهم فيها ويجري عليهم النفقات والكساوي حتى يجتني ثمار معارفهم وصنائعهم ويجتمع عنده في كل ليلة جمعة جماعة من القراء التي مسكانهم قريبة من داره فيذكر الله معهم حصة من الليل ثم يفرق فيهم دراهم ولما طال به الاهمال وفتور الاحوال والباشا قليل الاقامة بمصر واكثر ايامه غائب عنها فحسن بباله الرحلة من مصر الى الديار الرومية ويذهب الى بلاده فإستأذن الباشا عند وداعه وهو متوجه الى ناحية قبلي فأذن له واخذ في اسباب السفر فأرسل الكتخدا الى الباشا ودس اليه كلاما فأرسل بمنعه ويرتب له خروجا لمطبخه فتعوق عن السفر على غير خاطره وفي اوائل السنة حضرت اليه والدته وابنته وزوجها فانزلهم في دار تجاه داره واجرى عليهم ما يحتاجون اليه من النفقة فاتفق أن صهره المذكور حلف يمينا بالطلاق الثلاث وحنث فيه ففرق بينه وبين ابنته وطرده فشكاه الى كتخدا بك فكلمه في شانه فلم يقبل وقال لا يجوز ان حلل المحرم لاجلك واستمر صهره يتردد على الكتخدا ويلقي ما يلقيه في حقه من النميمة ويذكر له عنه في حقه ما يزيده غيضا وكراهة ويقول له انه يجمع اناسا في كل ليلة جمعة يقرأون ويدعون عليك وعلى مخدومك وذكر له انه يقول لكم أن قصده السفر الى بلده وانما قصده السفر الى اسلامبول ليجتمع على مخدومه الاول لكونه تولى قبودان باشا ورياسة الدونانمة ويقول عندما اكون بدار السلطنة افعل وافعل واخبرهم بحقيقة هؤلاء وافاعيلهم وانقض عليهم امرهم وذكر له أيضا انه استخرج من احكام النجوم التى يعانيها أن الباشا يحصل له نكبة بعد مدة عربيه ويحصل ما يحصل من الفتن فيريد الخروج من مصر قبل وقوع ذلك ونحو ذلك فلما رجع الباشا من سفرته توسل المنرجم بالكتخدا في أن يأخذ له اذنا من الباشا بالسفر وهو لا يعلم سريرته ففاوض الباشا في ذلك والقى اليه ما القاه حتى اوغر صدره منه ثم رد عليه بقوله اني استاذنت الباشا فلم يسهل به مفارقتك وقال أن كان عن ضيق في المعيشة فأطلق له في كل شهر كيسين عنها اربعون ألف نصف فضة فلما قال له ذلك قال انا لا يكفيني هذا المقدار فان كان فيطلق لي خمسة اكياس فقال لم يرض بأزيد مما ذكرته لك وكل ذلك مخادعة من الكتخدا ليحقق ما حشده في صدر مخدومه وما زال يتردد في طلب الاذن حتى اذن له واضمر له القتل بعد خروجه من مصر فعند ذلك باع داره وما استجده حولها والبستان خارج قناطر السباع وما زاد عن حاجته من الاشياء والامتعة واشترى عبيدا وجواري وقضى لوازمه وسافر الى رشيد فعندما مضى من نزوله يومان او ثلاثة كتبوا الى خليل بك حاكم الاسكندرية مرسوما بقتله فبلغه خبر ذلك وهو بثغر رشيد فلم يصدقه وقال اي ذنب استوجب به القتل ولو اراد قتلي ما الذي يمنعه منه وانا عنده بمصر وانا سافرت بإذنه وودعته وقبلت يديه وطرفه واخذت خاطره وهو مبشوش معى كعادته فلما حصل بالاسكندرية واستقر بالسفينة ومضى ايام وهم ينتظرون اعتدال الريح والاذن من الحاكم بالاقلاع ووصل المرسوم الى خليل بك فأرسل اليه في وقت يدعوه ليتغدى معه في رأس التين ونظر الى خليل بك وهو واقف في انتظاره على بعد منه فوق علوة فاجاب وخرج من السفينة فوصل اليه جماعة من العسكر واحاطوا به فتحقق عند ذلك ما كان بلغه وهو برشيد
ونظر الى خليل بك فلم يره فقال امهلوني حتى اتوضا واصلي ركعتين وقام من حلاوة الروح والقى بنفسه في البحر فضربوا عليه بالرصاص واخرجوه وتمموا قتله واخرجوا صناديقه واخذوا ما فيها من الكتب لان الباشا ارسل بطلبها واخذ ما معه من المال والدراهم خليل بك فاعطى لولده جانبا منه واذن له بالسفر مع عياله وانقضى امر ه ووصلت الكتب الى سراية الباشا واودعت عند ولي خوجا وتبدد الكثير منها وفرق منها عدة على غير اهلها وكانت قتلته في اواخر شهر صفر من السنة والله اعلم


عجائب الآثار في التراجم والأخبار
المؤلف : عبد الرحمن بن حسن الجبرتي
مجلة نافذة ثقافية ـ البوابة


    الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين 22 أكتوبر 2018 - 16:23