بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
السيرة النبوية المطهرة
ولاية مكة بعد قصى وحفر زمزم

ولاية مكة بعد قصى وتنازع أولاده
أعطى قصي ولده عبد الدار جميع تلك الوظائف التي هي السقاية والرفادة والحجابة والندوة واللواء والقيادة أي فإنه قال له أما والله يابني لألحقنك بالقوم يعنى أخويه عبد مناف والمطلب وإن كانوا قد شرفوا عليك لا يدخل رجل منهم الكعبة حتى تكون أنت تفحتها له ولا يعقد لقريش لواء لحربها إلا أنت بيدك ولا يشرب رجل بمكة إلا من سقايتك ولا يأكل أحد من أهل الموسم إلا من طعامك ولا تقطع قريش أمرا من أمورها إلا في دارك يعنى دار الندوة.
فلما مات عبد الدار وأخوه عبد مناف أراد بنوا عبد مناف وهم هاشم وعبد شمس والمطلب وهؤلاء إخوة لأب وأم أمهم عاتكة بنت مرة ونوفل أخوهم لأبيهم أمه واقدة بنت حرمل أن يأخذوا تلك الوظائف من بني عمهم عبد الدار وأجمعوا على المحاربة ، وأخرج بنوا عبد مناف جفنة مملوءة طيبا فوضعوها لأحلافهم في المسجد عند باب الكعبة ثم غمس القوم أيديهم فيها وتعاقدوا هم وحلفاؤهم ثم مسحوا الكعبة بأيديهم توكيدا على أنفسهم فسموا المطيبين . أخرجتها لهم أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب عمة النبي صلى الله عليه وسلم وتوءمة أبيه ووضعتها في الحجر وقالت من تطيب بهذا فهو منا فتطيب منها مع بني عبد مناف بنو زهرة وبنو أسد بن عبد العزى وبنو تميم بن مرة وبنو الحارث بن فهر فالمطيبون من قريش خمس قبائل
وتعاقد بنو عبد الدار وأحلافهم وهم بنو مخزوم وبنو سهم وبنو جمح وبنو عدي بن كعب على أن لا يتخاذلوا ولا يسلم بعضهم بعضا فسموا الأحلاف لتحالفهم بعد أن أخرجوا جفنة مملوءة دما من دم جزور نحروها ثم قالوا من أدخل يده في دمها فلعق منه فهو منا وصاروا يضعون أيديهم فيها ويلعقونها فسموا لعقة الدم وقيل الذين لعقوا الدم فسموا لعقة الدم بنوا عدي خاصة ثم اصطلحوا على أن تكون السقاية والرفادة والقيادة لبني عبد مناف والحجابة واللواء لبني الدار ودار الندوة بينهم بالإشتراك وتخالفوا على ذلك هذا والذي رأيتهم في المشرق فيم يحاضر به من آداب المشرق ولما شرف عبد مناف ابن قصي في حياة أبيه وذهب شرفه كل مذهب وكان قصي يحب إبنه عبد الدار أراد أن يبقى له ذكرا فأعطاه الحجابة ودار الندوة واللواء وأعطى عبد مناف السقاية والرفادة والقيادة وجعل عبد الدار الحجابة لولده عثمان وجعل دار الندوة لولده عبد مناف ابن عبد الدار ثم وليها عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار ثم وليها ولده من بعده والسقاية كانت حياضا من أدم توضع بفناء الكعبة وينقل إليها الماء العذب من الآبار على الإبل في المزاود والقرب قبل حفر زمزم وربما قذف فيها التمر والزبيب في غالب الأحوال لسقى الحاج أيام الموسم حتى يتفرقوا وهذا السقاية قام بها وبالرفادة بعد عبد مناف ولده هاشم وبعده ولده عبد المطلب وكان شريفا مطاعا جوادا وكانت قريش تسميه الفياض لكثرة جوده فلما كبر عبد المطلب فوض إليه أمر السقاية والرفادة فلما مات المطلب وثب عليه عمه نوفل بن عبد مناف وغصبه أركاحا أي أفنية ودورا فسأل عبد المطلب رجالا من قومه النصرة على عمه نوفل فأبوا وقالوا لا ندخل بينك وبين عمك فكتب إلى أخواله بني النجار بالمدينة بما فعله معه عمه نوفل فلما وقف خاله أبو سعد ابن عدي بن النجار على كتابه بكى وسار من المدينة في ثمانين راكبا حتى قدم مكة فنزل الأبطح فتلقاه عبد المطلب وقال له المنزل يا خال فقال لا والله حتى ألقى نوفلا فقال تركته في الحجر جالسا في مشايخ قريش فأقبل أبو سعد حتى وقف عليه فقام نوفل قائما وقال يا أبا سعد أنعم صباحا فقال له أبو سعد لا أنعم الله لك صباحا وسل سيفه وقال ورب هذه البنية لئن لم ترد على ابن أختى أركاحه لأملأن منك هذا السيف فقال قد رددتها عليه فأشهد عليه مشايخ قريش ثم نزل على عبد المطلب فأقام عنده ثلاثا ثم اعتمر ورجع إلى المدينة ولما جرى ذلك حالف نوفل وبنوه بني أخيه عبد شمس على بني هاشم وحالفت بنو هاشم خزاعة على بني نوفل وبني عبد شمس أي فإن خزاعة قالت نحن أولى بنصرة عبد المطلب لأن عبد مناف جد عبد المطلب أمه حيى بنت حليل سيد خزاعة كما تقدم فقالوا لعبدالمطلب هلم فلنحالفك فدخلوا دار الندوة وتحالفوا وتعاقدوا وكتبوا بينهم كتابا بإسمك اللهم هذا ما تحالف عليه بنو هاشم ورجالات عمرو بن ربيعة من خزاعة على النصرة والمواساة ما بل بحر صوفة وما أشرقت الشمس على ثبير وهب بفلاة بعير وما أقام الأخشبان واعتمر بمكة إنسان والمراد من ذلك الأبد وعبدالمطلب لما حفر زمزم صار ينقل الماء منها لتلك الأحواض ويقذف فيها التمر والزبيب ثم بعده قام بها ولده أبو طالب ثم اتفق أن أبا طالب أملق أي افتقر في بعض السنين فاستدان من أخيه العباس عشرة آلاف درهم إلى الموسم الآخر فصرفها أبو طالب في الحجيج عامه ذلك فيما يتعلق بالسقاية فلما كان العام المقبل لم يكن مع أبي طالب شيء فقال لأخيه العباس أسلفني أربعة عشر ألفا أيضا إلى العام المقبل لأعطيك جميع مالك فقال له العباس بشرط إن لم تعطنى تترك السقاية لأكفلها فقال نعم فلما جاء العام الآخر لم يكن مع أبي طالب ما يعطيه لأخيه العباس فترك له السقاية فصارت للعباس ثم لولده عبد الله بن عباس واستمر ذلك في بني العباس إلى زمن السفاح ثم ترك بنو العباس ذلك
والرفادة إطعام الحاج أيام الموسم حتى يتفرقوا فإن قريشا كانت على زمن قصي تخرجه من أموالها في كل موسم فتدفعه إلى قصي فيصنع به طعاما للحاج يأكل منه من لم يكن معه سعة ولا زاد كما تقدم حتى قام بها بعده ولده عبد مناف ثم بعد عبد مناف ولده هاشم ثم بعد هاشم لولده عبد المطلب ثم ولده أبو طالب وقيل ولده العباس ثم استمر ذلك إلى زمنه صلى الله عليه وسلم وزمن الخلفاء بعده ثم استمر ذلك في الخلفاء إلى أن انقرضت الخلافة من بغداد ثم من مصر وأما القيادة وهي إمارة الركب فقام بها بعد عبد مناف ولده عبد شمس ثم كانت بعد عبد شمس لابنه أمية ثم لابنه حرب ثم لابنه أبي سفيان فكان يقود الناس في غزواتهم قاد الناس يوم أحد ويوم الأحزاب ومن ثم لما قال الوليد بن عبد الملك لخالد بن يزيد بن معاوية لست في العير ولا في النفير قال له ويحك العير والنفير عيبتي أي وعائي لأن العيبة ما يجعل فيه الثياب جدى أبو سفيان صاحب العير وجدى عتبة بن ربيعة صاحب النفير ودار الندوة كانت قريش تجتمع فيها للمشاورة في أمورها ولا يدخلها إلا من بلغ الأربعين وكانت الجارية إذا حاضت تدخل دار الندوة ثم يشق عليها بعض ولد عبد الدار درعها ثم يدرعها إياه وانقلب بها فتحجب وهذه كانت سنة قصي فكان لا ينكح رجل إمرأة من قريش إلا في دار قصي التي هي دار الندوة ولا يعقد لواء حرب إلا فيها ولا تدرع جارية من قريش إلا في تلك الدار فيشق عنها درعها ويدرعها بيده فكانت قريش بعد موت قصي يتبعون ما كان عليه في حباته كالدين المتبع ولا زالت هذه الدار في يد بني عبد الدار إلى أن صارت إلى حكيم بن حزام فباعها في الإسلام بمائة ألف درهم فلامه عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما وقال أتبيع مكرمة آبائك وشرفهم فقال حكيم رضي الله عنه ذهبت المكارم إلا التقوى والله لقد اشتريتها في الجاهلية بزق خمر وقد بعتها بمائة ألف وأشهدكم أن ثمنها في سبيل الله تعالى فأينا المغبون قيل وقصى هو جماع قريش فلا يقال لأحد من أولاد من فوقه قرشي ونسب هذا القول لبعض الرافضة وهو قول باطل لأنه توصل به إلى أن لا يكون سيدنا أبو بكر وسيدنا عمر رضي الله تعالى عنهما من قريش فلا حق لهما في الإمامة العظمى التي هي الخلافة لقوله صلى الله عليه وسلم الأئمة من قريش ولقوله صلى الله عليه وسلم لقريش أنتم أولى الناس بهذا الأمر ما كنتم على الحق إلا أن تعدلوا عنه لأنهما لم يلتقيا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا فيما بعد قصي لأن أبا بكر رضي الله تعالى عنه يجتمع معه في مرة كما سيأتي لأن تيم بن مرة بينه وبين أبي بكر رضي الله عنه خمسة آباء وعمر رضي الله عنه يجتمع معه في كعب كما سيأتي وبين عمر رضي الله عنه وكعب سبعة آباء وقصي بن كلاب أي وإسمه حكيم وقيل عروة ولقب بكلاب لأنه كان يحب الصيد وأكثر صيده كان بالكلاب وهو الجد الثالث لآمنة أمه صلى الله عليه وسلم ففي كلاب يجتمع نسب أبيه وأمه ابن مرة وهو الجد السادس لأبي بكر رضي الله تعالى عنه والإمام مالك رضي الله تعالى عنه يجتمع معه صلى الله عليه وسلم في هذا الجد الذي هو مرة أيضا ابن كعب أي وهو الجد الثامن لعمر رضي الله تعالى عنه وكان كعب يجمع قومه يوم العروبة أي يوم الرحمة الذي هو يوم الجمعة ويقال إنه أول من سماه يوم الجمعة لإجتماع قريش فيه إليه لكن في الحديث كان أهل الجاهلية يسمون يوم الجمعة يوم العروبة وإسمه عند الله تعالى يوم الجمعة قال ابن دحية ولم تسم العروبة الجمعة إلا منذ جاء الإسلام وسيأتى في ذلك كلام فكانت قريش تجتمع إلى كعب ثم يعظهم ويذكرهم بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم ويعلمهم بأنه من ولده ويأمرهم بإتباعه ويقول سيأتي لحرمكم نبأ عظيم وسيخرج منه نبي كريم. وكان بينه وبين مبعثه صلى الله عليه وسلم خمسمائة سنة وستون سنة وفي الإمتاع وعشرون سنة لأن الحق أن الخمسمائة والستين إنما هي بين موت كعب والفيل الذي هو مولده صلى الله عليه وسلم كما ذكره أبو نعيم في الدلائل النبوية وقيل إن كعبا أول من قال أما بعد فكان يقول أما بعد فاسمعوا وافهموا وتعلموا واعلموا ليل داج وفي رواية ليل ساج ونهار صاح والأرض مهاد والسماء بناء والجبال أوتاد والنجوم أعلام والأولون كالآخرين فصلوا أرحامكم واحفظوا أصهاركم وثمروا أموالكم الدار أمامكم والظن غير ما تقولون أي وقيل له كعب لعلوه وإرتفاعه لأن كل شيء علا وارتفع فهو كعب ومن ثم قيل للكعبة كعبة ولعلوه وإرتفاع شأنه أرخوا بموته حتى كان عام الفيل أرخوا به ثم أرخوا بعد عام الفيل بموت عبد المطلب وكعب بن لؤي أي بالهمزة أكثر من عدمها أي وفي سبب تصغيره خلاف ابن غالب به فهر سماه أبوه فهرا وقيل هو لقب واسمه قريش والمناسب أن يكون لقبا لقولهم إنما سمى قريشا لأنه كان يقرش أي يفتش على خلة حاجة المحتاج فيسدها بماله وكان بنوه يقرشون أهل الموسم عن حوائجهم فيرفدونهم فسموا بذلك قريشا قال بعضهم وهو جماع قريش عند الأكثر قال الزبير بن بكار أجمع النسابون من قريش وغيرهم على أن قريشا إنما تفرقت عن فهر وفهر هذا هو الجد السادس لأبي عبيدة بن الجراح ولما جاء حسان بن عبد كلال من اليمن في حمير وغيرهم لأخذ أحجار الكعبة إلى اليمن ليبنى بها بيتا ويجعل حج الناس إليه ونزل بنخلة خرج فهر إلى مقاتلته بعد أن جمع قبائل العرب فقاتله وأسره وأنهزمت حمير ومن انضم إليهم واستمر حسان في الأسر ثلاث سنين ثم افتدى نفسه بمال كثير وخرج فمات بين مكة واليمن فهابت العرب فهرا وعظموه وعلا أمره ومما يؤثر عن فهر قوله لولده غالب قليل ما في يديك أغنى لك من كثير ما أخلق وجهك وإن صار إليك وفهر هو ابن مالك قيل له ذلك لأنه ملك العرب ابن النضر أي ولقب به لنضارته وحسنه وجماله وإسمه قيس وهو جماعة قريش عند الفقهاء فلا يقال لأحد من أولاد من فوقه قرشي ويقال لكل من أولاده الذين منهم مالك وأولاده قرشي فقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم من قريش فقال من ولد النضر أي وعلى أن جماع قريش فهر كما تقدم فمالك وأولاده والنضر جده وأولاده ليسوا من قريش والنضر بن كنانة قيل له كنانة لأنه لم يزل في كن من قومه وقيل لستره على قومه وحفظه لأسرارهم وكان شيخا حسنا عظيم القدر تحج إليه العرب لعلمه وفضله وكان يقول قد آن خروج نبي من مكة يدعى أحمد يدعو إلى الله وإلى البر والإحسان ومكارم الأخلاق فاتبعوه تزدادوا شرفا وعزا إلى عزكم ولا تعتدوا أي تكذبوا ما جاء به فهو الحق قال ابن دحية رحمه الله كان كنانة يأنف أن يأكل وحده فإذا لم يجد أحدا أكل لقمة ورمى لقمة إلى صحرة ينصبها بين يديه أنفة من أن يأكل وحده ومما يؤثر عنه رب صورة تخالف المخبرة قد غرت بجمالها واختبر قبح فعالها فاحذر الصور واطلب الخبر وكنانة بن خزيمة بن مدركة ومدركة اسمه عمرو وقيل له مدركة لأنه أدرك كل عز وفخر كان في آبائه وكان فيه نور رسول الله صلى الله عليه وسلم أي ولعل المراد ظهوره فيه ومدركة بن إلياس بهمزة قطع مكسورة وقيل مفتوحة أيضا وقيل همزة وصل ونسب للجمهور قيل سمى بذلك لأن أباه مضر كان قد كبر سنه ولم يولد له ولد فولد له هذا الولد فسماه إلياس وعظم أمره عند العرب حتى كانت تدعوه بكبير قومه وسيد عشيرته وكانت لا تقضى أمرا دونه وهو أول من أهدى البدن إلى البيت وأول من ظفر بمقام إبراهيم لما غرق البيت في زمن نوح عليه السلام فوضعه في زاوية البيت كذا في حياة الحيوان فليتأمل وجاء في حديث لا تسبوا إلياس فإنه كان مؤمنا وقيل إنه جماع قريش أي فلا يقال لأولاد من فوقه قرشى وكان إلياس يسمع من صلبه تلبية النبي صلى الله عليه وسلم المعروفة في الحج قيل وكان في العرب مثل لقمان الحكيم في قومه وهو أول من مات بعلة السل ولما مات حزنت عليه زوجته خندف حزنا شديدا لم يظلها سقف بعد موته حتى ماتت ومن ثم قيل أحزن من خندف وإلياس بن مضر قيل هو جماع قريش فلا يقل لأولاد من فوق مضر قرشي ففي جماع قريش خمسة أقوال قيل قصي وقيل فهر وقيل النضر وقيل إلياس وقيل مضر ويقال له مضر الحمراء قيل لأنه لما اقتسم هو وأخوه ربيعة مال والدهما أعنى نزارا أخذ مضر الذهب الحمراء وأخذ ربيعة الخيل ومن ثم قيل له ربيعة الفرس وجاء في حديث لاتسبوا ربيعة ولا مضر فإنهما كانا مؤمنين أي وفي رواية لا تسبوا مضر فإنه كان على ملة إبراهيم وفي حديث غريب لا تسبوا مضر فإنه كان على دين إسمعيل وما حفظ عنه من يزرع شرا يحصد ندامة أقول سيأتي في بنيان قريش الكعبة أنهم وجدوا فيها كتبا بالسريانية من جملتها كتاب فيه من يزرع خيرا يحصد غبطة ومن يزرع شرا يحصد ندامة إلى آخر ما يأتى وعن أبي عبيدة البكري أن قبر مضر بالروحاء يزار والروحاء على ليلتين من المدينة والله أعلم وكان مضر من أحسن الناس صوتا وهو أول من حدا للإبل فإنه وقع فانكسرت يده فصار يقول يا يداه يا يداه فجاءت إليه الإبل من المرعى فلما صح وركب حدا وقيل أول من سن الحداء للإبل عبد له ضرب مضر يده ضربا وجيعا فصار يقول يا يداه يا يداه فجاءت إليه الإبل من مرعاها أي لأن الحداء مما ينشط الإبل لاسيما إن كان بصوت حسن فإنها عند سماعه تمد أعناقها وتصغى إلى الحادي وتسرع في سيرها وتستخف الأحمال الثقيلة فربما قطعت المسافة البعيدة في زمن قصير وربما أخذت ثلاثة أيام من يوم واحد وفي ذلك حكاية مشهورة ولأجل ما ذكر ذكر أئمتنا أنه مستحب وفي الأذكار للإمام النووي رضي الله تعالى عنه باب استحباب الحداء للسرعة في السير وتنشيط النفوس وترويحها وتسهيل السير عليها فيه أحاديث كثيرة مشهورة ومضر بن نزار بكسر النون كان يرى نور النبي صلى الله عليه وسلم بين عينيه وهو أول من كتب الكتاب العربي على الصحيح والإمام أحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنه يجتمع معه صلى الله عليه وسلم في هذا الجد الذي هو نزار بن معد بن عدنان هذا هو النسب المجمع عليه في نسبه صلى الله عليه وسلم عند العلماء بالأنساب ومن ثم لما قال فقهاؤنا شرط الإمام الأعظم أن يكون قرشيا فإن لم يوجد قرشي جامعا للشروط التي ذكروها فكنانى قال بعضهم وقياس ذلك أن يقال فإن لم يوجد كناني فخزيمي فإن لم يوجد خزيمي فمدركى فإن لم يوجد مدركي فإلياسي فإن لم يوجد إلياسي فمضري فإن لم يوجد مضرى فنزاري فإن لم يوجد نزاري فمعدي فإن لم يوجد معدي فعدناني فإن لم يوجد عدناني فمن ولد إسمعيل لإن من فوق عدنان لا يصح فيه شيء ولا يمكن حفظ النسب فيه منه إلى إسمعيل وقيل له معد لأنه كان صاحب حروب وغارات على بني إسرائيل ولم يحارب أحدا إلا رجع بالنصر والظفر قال بعضهم ولا يخرج عربي في الأنساب عن عدنان وقحطان وقيل وولد عدنان يقال لهم قيس وولد قحطان يقال لهم يمن ولما سلط الله بختنصر على العرب أمر الله تعالى أرمياء أن يحمل معه معد بن عدنان على البراق كيلا تصيبه النقمة وقال فإني سأخرج من صلبه نبيا كريما أختم به الرسل ففعل أرمياء ذلك واحتمله معه إلى أرض الشام فنشأ مع بني إسرائيل ثم عاد بعد أن هدأت الفتن أي بموت بختنصر وكان عدنان في زمن عيسى عليه السلام وقيل في زمن موسى عليه السلام قال الحافظ ابن حجر وهو أولى أي ومما يضعف الأول ما في الطبراني عن أبي أمامة الباهلي رضي الله تعالى عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لما بلغ ولد معد بن عدنان أربعين رجلا وقعوا في عسكر موسى عليه الصلاة والسلام فانتهبوه فدعا عليه موسى عليه الصلاة والسلام فأوحى الله تعالى إليه لا تدع عليهم فإن منهم النبي الأمي البشير النذير الحديث إذ يبعد بقاء معد إلى زمن عيسى عليه الصلاة والسلام ومعلوم أنه لا خلاف في أن عدنان من ولد إسمعيل نبي الله تعالى أي أرسله الله تعالى إلى جرهم وإلى العماليق وإلى قبائل اليمن في زمن أبيه إبراهيم وكذا بعث أخوه إسحق إلى أهل الشام وبعث ولده يعقوب إلى الكنعانيين في حياة إبراهيم فكانوا أنبياء على عهد إبراهيم عليه الصلاة والسلام وذكر بعضهم أن من العماليق فرعون موسى عليه الصلاة والسلام ومنهم الريان بن الوليد فرعون يوسف عليه الصلاة والسلام وكان إسمعيل بكر أبيه جاء له وقد بلغ أبوه من العمر سبعين سنة وقيل ستا وثمانين سنة ولد بين الرملة وإيليا وكان بين عدنان وإسمعيل أربعون أبا وقيل سبعة وثلاثون وفي النهر لأبي حيان رحمه الله أن إبراهيم هو الجد الحادي والثلاثون لنبينا صلى الله عليه وسلم هذا كلامه
[من كتاب: السيرة الحلبية لنور الدين الحلبي]

اختلاف قريش بعد قصي وحلف المطيبين

قال بن إسحاق فلما كبر قصي ورق عظمه وكان عبد الدار بكره وكان عبد مناف قد شرف في زمان أبيه وذهب كل مذهب وعبد العزى وعبد ، قال قصي لعبد الدار أما والله يا بني لالحقنك بالقوم وإن كانوا قد شرفوا عليك لا يدخل رجل منهم الكعبة حتى تكون أنت تفتحها له ولا يعقد لقريش لواء لحربها إلا أنت بيدك ولا يشرب أحد بمكة إلا من سقايتك ولا يأكل أحد من أهل الموسم طعاماً إلا من طعامك ولا تقطع قريش أمراً من أمورها إلا في دارك فأعطاه داره دار الندوة التى لا تقضي قريش أمراً من أمورها إلا فيها وأعطاه الحجابة واللواء والسقاية والرفادة.
وكانت الرفادة خرجا تخرجه قريش في كل موسم من أموالها إلى قصي بن كلاب فيصنع به طعاما للحاج فيأكله من لم يكن له سعة ولا زاد وذلك أن قصياً فرضه على قريش فقال لهم حين أمرهم به يا معشر قريش إنكم جيران الله واهل بيته وأهل الحرم وإن الحاج ضيف الله وزوار بيته وهم أحق الضيف بالكرامة فاجعلوا لهم طعاماً وشرابا أيام الحج حتى يصدروا عنكم فكانوا يخرجوان لذلك كل عام من أموالهم خرجا فيدفعونه إليه فيصنعه طعاماً للناس أيام منى فجرى ذلك من أمره في الجاهلية على قومه حتى قام الإسلام ثم جرى في الإسلام إلى يومك هذا فهو الطعام الذي يصنعه السلطان كل عام بمنى للناس حتى ينقضي الحج ".
قال بن إسحاق حدثني بهذا من أمر قصي بن كلاب وما قال لعبد الدار فيما دفع إليه مما كان بيده أبو إسحاق بن يسار عن الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم قال: سمعته يقول ذلك لرجل من بني عبد الدار يقال له نبيه بن وهب بن عمر بن عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي.
قال الحسن فيجعل إليه قصي كل ما كان بيده من أمر قومه وكان قصي لا يخالف ولا يرد عليه شيء صنعه.
الخلاف بين بني عبد الدار وبني أعمامهم
قال بن إسحاق ثم إن قصي بن كلاب هلك فأقام أمره في قومه وفي غيرهم بنوه من بعده فاختطوا مكة رباعا- بعد الذي كان قطع لقومه بها- فكانوا يقطعونها في قومهم وفي غيرهم من حلفائهم ويبيعونها فأقامت على ذلك قريش معهم ليس بينهم اختلاف ولا تنازع ثم إن بني عبد مناف بن قصي عبد شمس وهاشما والمطلب ونوفلاً اجمعوا على أن يأخذوا ما بأيدي بني عبد الدار بن قصي مما كان قصي جعلل إلى عبد الدار من الحجابة واللواء والسقاية والرفادة ورأوا أنهم أولى بذلك منهم لشرفهم عليهم وفضلهم في قومهم فتفرقت عند ذلك قريش فكانت طائفة مع بني عبد مناف على رأيهم يرون أنهم أحق به من بني عبد الدار لمكانهم في قومهم وكانت طائفة مع بني عبد الدار يرون أن لا ينزع منهم ما كان قصي جعل إليهم .
فكان صاحب أمر بني عبد مناف عبد شمس بن عبد مناف وذلك أنه كان اسن بن عبد مناف وكان صاحب أمر بني عبدالدار عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار فكان بنو أسد بن عبد العزى بن قصي وبنو زهرة بن كلاب وبنو تيم بن مرة بن كعب وبنو الحارث بن فهر بن مالك بن النضر مع بني عبد مناف.
وكان بنو مخزوم بن يقظة بن مرة وبنو سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب وبنو جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب وبنو عدي بن كعب مع بني عبد الدار وخرجت عامر بن لؤي ومحارب بن فهر فلم يكونوا مع واحد من الفريقين .
فعقد كل قوم على أمرهم حلفاً مؤكداً على أن لا يتخاذلوا ولا يسلم بعضهم بعضاً ما بل بحر صوفة.
فأخرج بنو عبد مناف جفنة مملوءة طيبا. فيزعمون أن بعض نساء بني عبد مناف أخرجتها لهم فوضعوها لأحلافهم في المسجد عند الكعبة ثم غمس القوم أيديهم فيها فتعاقدوا وتعهدوا هم وحلفاؤهم ثم مسحوا الكعبة بأيديهم توكيدا على أنفسهم فسموا المطيبين.
وتعاقد بنو عبد الدار وتعاهدوا هم وحلفاؤهم عند الكعبة حلفا مؤكدا على أن لا يتخاذلوا ولا يسلم بعضهم بعضا فسموا الأحلاف.
توزيع القبائل في هذه الحرب
ثم سوند بين القبائل فعبيت بنو عبد مناف لبني سهم وعبيت بنو أسد لبني عبد الدار وعبيت زهرة لبني جمح وعبيت بنو تيم لبني مخزوم وعبيت بنو الحارث بن فهر لبني عدي بن كعب ثم قالوا لتفن كل قبيلة من أسند إليها.
ما تصالح القوم عليه
فبينا الناس على ذلك قد أجمعوا للحرب إذ تداعوا إلى الصلح على أن يعطوا بني عبد مناف السقاية والرفادة وأن تكون الحجابة واللواء والندرة لبني عبد الدار كما كانت ففعلوا ورضي كل واحد من الفريقين بذلك وتحاجز الناس عن الحرب وثبت كل قوم مع من حالفوا فلم يزالوا على ذلك حتى جاء الله تعالى بالإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما كان من حلف في الجاهلية فإن الإسلام لم يزده إلا شدة ".
حلف الفضول
قال بن هشام وأما حلف الفضول فحدثني زياد بن عبد الله البكائي عن محمد بن إسحاق قال: تداعت قبائل من قريش إلى حلف فاجتمعوا له في دار عبد الله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي لشرفه وسنه فكان حلفهم عنده بنو هاشم وبنو المطلب وأسد بن عبد العزى وزهرة بن كلاب وتيم بن مرة فتعاقدوا وتعهدوا على أن لا يجدوا بمكة مظلوماً من أهلها وغيرهم ممن دخلها من سائر الناس إلا قاموا معه وكانوا على من ظلمه حتى ترد عليه مظلمته فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول .
قال بن إسحاق فحدثني محمد بن زيد بن المهاجر بن قنفذ التيمي أنه سمع طلحة بن عبد الله بن عوف الزهري يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفاً ماأحب أن لي به حمر النعم ولو أدعى به في الإسلام لأجبت ".
قال بن إسحاق فولى الرفادة والسقاية هاشم بن عبد مناف وذلك أن عبد شمس كان رجلاً سفاراً قلما يقيم بمكة وكان مقلاً ذا ولد وكان هاشم موسراً- فكان فيما يزعمون- إذا حضر الحج قام في قريش فقال : يا معشر قريش إنكم جيران الله واهل بيته وإنه يأتيكم في هذا الموسم زوار الله وحجاج بيته وهم ضيف الله وأحق الضيف بالكرامة ضيفه فاجمعوا لهم ما تصنعون لهم به طعاما أيامهم هذه التي لا بد لهم من الإقامة بها فإنه والله لو كان مالي يسع لذلك ما كلفتكموه . فيخرجون لذلك خرجا من أموالهم كل امرىء يقدر ما عنده فيصنع به للحجاج طعام حتى يصدروا منها.
وكان هاشم فيما يزعمون أول من سن الرحلتين لقريش رحلتي الشتاء والصيف وأول من أطعم الثريد للحجاج بمكة وإنما كان اسمه عمراً فما سمي هاشماً إلا بهشمه الخبز بمكة لقومه
وكان هاشم بن عبد مناف قدم المدينة فتزوج سلمى بنت عمروأحد بني عدي بن النجار وكانت قبله عند أحيحه بن الجلاح بن الحريش. قال بن هشام ويقال الحريس بن جحجبي بن كلفة بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس فولدت له عمرو بن أحيحة وكانت لا تنكح الرجال لشرفها في قومها حتى يشترطوا لها أن أمرها بيدها إذا كرهت رجلا فارقته . فولدت لهاشم عبد الملطب فسمته شيبة فتركه هاشم عندها حتى كان وصيفاً أو فوق ذلك
قال بن إسحاق ثم هلك هاشم بن عبد مناف بغزة من أرض الشام تاجراً فولي السقاية والرفادة من بعده المطلب بن عبد مناف وكان أصغر من عبد شمس وهاشم وكان ذا شرف في قومه وفضل وكانت قريش إنما تسميه الفيض لسماحته وفضله.
ثم خرج المطلب ليقبض ابن اخيه فيلحقه ببلده وقومه فقالت له سلمى: لست بمرسلته معك ، فقال لها المطلب: إني غير منصرف حتى أخرج به معي أن بن أخي قد بلغ وهو غريب في غير قومه ونحن أهل بيت شرف في قومنا نلي كثير من أمرهم وقومه وبلده وعشيرته خير له من الإقامة في غيرهم أو كما قال وقال شيبة لعمه المطلب فيما يزعمون لست بمفارقها إلا أن تأذن لي فأذنت له ودفعته إليه فأحتمله فدخل به مكة مردفه معه على بعيره فقالت قريش عبد المطلب ابتاعه فبها سمي شيبة عبد المطلب فقال المطلب ويحكم إنما هو بن أخي هاشم قدمت به من المدينة. ثم هلك المطلب بردمان من أرض اليمن
قال ثم ولي عبد المطلب بن هاشم السقاية والرفادة بعد عمه المطلب فأقامها للناس وأقام لقومه ما كان آباؤه يقيمون قبله لقومهم من أمرهم وشرف في قومه شرفا لم يبلغه أحد من آبائه وأجبه قومه وعظم خطره فيهم.
[من كتاب: تهذيب سيرة ابن هشام لعبد السلام هارون]


بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
ذكر حفر زمزم ونذر عبد المطلب

ذكر حفر زمزم
قال بن إسحاق وكان أول ما ابتدىء به عبد المطلب من حفرها كما حدثني يزيد بن أبي حبيب المصري عن مرثد بن عبد الله اليزني عن عبد الله بن زرير الغافقي أنه سمع علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه يحدث حديث زمزم حين أمر عبد المطلب بحفرها قال: قال عبد المطلب إني لنائم في الحجر إذا أتاني آت فقال أحفر طيبة قال قلت وما طيبة قال ثم ذهب عني فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه فجاءني فقال احفر برة قال فقلت وما برة قال ثم ذهب عني فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه فجاءني فقال احفر المضنونة? فقال فقلت وما المضنونة قال ثم ذهب عني فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه فجاءني فقال احفر زمزم قال قلت وما زمزم قال لا تنزف أبدا ولا تذم تسقي الحجيج الأعظم وهي بين الفرث والدم عند نقرة الغراب الأعصم عند قرية النمل. فعمدا عبد المطلب ومعه ابنه الحارث وليس له يومئذ ولد غيره فوجد قرية النمل ووجد الغراب ينقر عندها بين الوثنين إساف ونائلة اللذين كانت قريش تنحر عندهما ذبائحها فجاء بالمعول وقام ليحفر حيث أمر فقامت إليه قريش حين رأوا جده فقالوا والله لا نترك تحفر بين وثنينا هذين اللذين ننحر عندهما فقال عبد المطلب لابنه الحارث ذد عني حتى أحفر فوالله لأمضين لما أمرت به فلما عرفوا أنه غير نازع خلوا بينه وبين الحفر وكفوا عنه فلم يحفر إلا يسيرا حتى بدا له الطي فكبر وعرف أنه قد صدق. فلما تمادى به الحفر وجد فيها غزالين من ذهب وهما الغزالان اللذان دفنت جرهم فيها حين خرجت من مكة ووجد فيها أسيافا قلعية وأدراعا فقالت له قريش يا عبد المطلب لنا معك في هذا شرك وحق قال لا ولكن هلم إلى أمر نصف بيني وبينكم نضرب عليها بالقداح قالوا وكيف تصنع قال أجعل للكعبة قدحين ولي قدحين ولكم قدحين فمن خرج له قدحاه على شيء كان له ومن تخلف قدحاه فلا شيء له قالوا أنصفت فجعل قدحين أصفرين للكعبة وقدحين أسودين لعبد المطلب وقدحين أبيضين لقريش ثم أعطوا القداح صاحب القداح الذي يضرب بها عند هبل وهبل صنم في جوف الكعبة وهو أعظم أصنامهم وهو الذي يعني أبو سفيان بن حرب يوم أحد حين قال أعل هبل أي أظهر دينك وقام عبد المطلب يدعو الله عز وجل فضرب صاحب القداح القداح فخرج الأصفران على الغزالين للكعبة وخرج الأسودان في الأسياف والأدراع لعبد المطلب وتخلف قدحاً قريش فضرب عبد المطلب الأسياف بابا للكعبة وضرب في الباب الغزالين من ذهب فكان أول ذهب حليته الكعبة فيما يزعمون ثم إن عبد المطلب أقام سقاية زمزم للحجاج.
قال بن إسحاق فلما بين له شأنها ودل على موضعها وعرف أنه قد صدق غداً بمعوله ومعه ابنه الحارث بن عبد المطلب ليس له يومئذ ولد غيره فحفر فيها فلما بدا لعبد المطلب الطي كبر فعرفت قريش أنه قد أدرك حاجته فقاموا إليه فقالوا يا عبد المطلب إنها بئر أبينا إسماعيل وإن لنا فيها حقاً فأشركنا معك فيها قال ما أنا بفاعل إن هذا الأمر قد خصصت به دونكم وأعطيته من بينكم فقالوا له فأنصفنا فإنا غير تاركيك حتى نخاصمك فيها قال فاجعلوا بيني وبينكم من شئتم أحاكمكم إليه قالوا كاهنة بني سعد بن هذيم قال نعم قال وكانت بأشراف الشام فركب عبد المطلب ومعه نفر من بني أبيه من بني عبد مناف وركب من كل قبيلة من قريش نفر قال والأرض إذ ذاك مفاوز قال فخرجوا حتى إذا كانوا ببعض تلك المفاوز بين الحجاز والشام فني ماء عبد المطلب وأصحابه فظمئوا حتى أيقنوا بالهلكة فاستسقوا من معهم من قبائل قريش فأبوا عليهم وقالوا إنا بمفازة ونحن نخشى على أنفسنا مثل ما أصابكم فلما رأى عبد المطلب ما صنع القوم وما يتخوف على نفسه وأصحابه قال ما ترون قالوا ما رأينا إلا تبع لرأيك فمرنا بما شئت قال فإني أرى أن يحفر كل رجل منكم حفرته لنفسه بما بكم الآن من القوة فكلما مات رجل دفعه أصحابه في حفرته ثم وأروه حتى يكون آخركم رجلاً واحداً فضيعة رجل واحد أيسر من ضيعة ركب جميعاً قالوا نعم ما أمرت به فقام كل واحد منهم فحفر حفرته ثم قعدوا ينتظرون الموت عطشاً ثم إن عبد المطلب قال لأصحابه والله إن إلقاءنا بأيدينا هكذا للموت لا نضرب في الأرض ولا نبتغي لأنفسنا لعجز فعسى الله أن يرزقنا ماء ببعض البلاد ارتحلوا فارتحلوا حتى إذا فرغوا ومن معهم من قبائل قريش ينظرون إليهم ما هم فاعلون تقدم عبد المطلب إلى راحلته فركبا فلما انبعثت به انفجرت من تحت خفها عين ماء عذب فكبر عبد المطلب وكبر أصحابه ثم نزل فشرب وشرب أصحابه واستقوا حتى ملئوا أسقيتهم ثم دعا القبائل من قريش فقال هلم إلى الماء فقد سقانا الله فاشربوا واستقوا ثم قالوا قد والله قضى لك علينا يا عبد المطلب والله لا نخاصمك في زمزم أبداً إن الذي سقاك هذا الماء بهذه الفلاة لهو الذي سقاك زمزم فارجع إلى سقايتك راشداً فرجع ورجعوا معه ولم يصلوا إلى الكاهنة وخلوا بينه وبينها.
قال بن إسحاق فهذا الذي بلغني من حديث على بن أبي طالب رضي الله عنه في زمزم
[من كتاب: تهذيب سيرة ابن هشام لعبد السلام هارون]

رواية اخرى عن حفر زمزم
حين أمر عبد المطلب في النوم بحفر زمزم بئر إسماعيل عليه السلام أي لأن الله تعالى أخرج زمزم لإسماعيل بواسطة جبريل كما يأتي إن شاء الله تعالى في بناء الكعبة أخرج زمزم مرتين مرة لآدم ومرة لإسماعيل عليهما الصلاة والسلام وكانت جرهم قد دفنتها أي فإن جرهما لما أستخفت بأمر البيت الحرام وارتكبوا الأمور العظام قام فيهم رئيسهم مضاض " بكسر الميم وحكى ضمها ابن عمرو خطيبا " ووعظهم فلم يرعووا فلما رأى ذلك منهم عمد إلى غزالتين من ذهب كانتا في الكعبة وما وجد فيها من الأموال أي السيوف والدروع على ما سيأتي التي كانت تهدى إلى الكعبة ودفنها في بئر زمزم وفي مرآة الزمان أن هاتين الغزالتين أهداهما للكعبة وكذا السيوف ماسان أول ملوك الفرس الثانية ورد بأن الفرس لم يحكموا على البيت ولا حجوه هذا كلامه وفيه أن هذا لا ينافي ذلك فيتأمل وكانت بئر زمزم نضب ماؤها أي ذهب فحفرها مضاض بالليل وأعمق الحفر ودفن فيها ذلك أي ودفن الحجر الأسود أيضا كما قيل وطم البئر واعتزل قومه فسلط الله تعالى عليهم خزاعة فأخرجتهم من الحرم وتفرقوا وهلكوا كما تقدم ثم لا زالت زمزم مطمومة لا يعرف محلها مدة خزاعة ومدة قصي من بعده إلى زمن عبد المطلب ورؤياه التي أمر فيها بحفرها قيل وتلك المدة خمسمائة سنة أي وكان قصى احتفر بئرا في الدار التي سكنتها أم هانئ أخت علي رضي الله تعالى عنهما وهي أول سقاية احتفرت بمكة فعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال قال عبد المطلب إني لنائم في الحجر إذ أتاني آت فقال احفر طيبة فقلت وما طيبة فذهب وتركني فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه فجاءني فقال احفر برة فقلت وما برة فذهب وتركني فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه فجاءني وقال احفر المضنونة فقلت وما المضنونة فذهب وتركني فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه فجاءني فقال احفر زمزم فقلت وما زمزم قال لا تنزف ولا تذم تسقى الحجيج الأعظم وهي بين الفرث والدم عند نقرة الغراب الأعصم عند قرية النمل وقوله لا تنزف أي لا يفرغ ماؤها ولا يلحق قعرها وفيه أنه ذكر أنه وقع فيها عبد حبشي فمات بها وانتفخ فنزحت من أجله ووجدوا قعرها فوجدوا ماءها يفور من ثلاثة أعين أقواها وأكثرها التي من ناحية الحجر الأسود وقوله ولا تذم بالذال المعجمة أي لا توجد قليلة الماء من قولهم بئر ذمة أي قليلة الماء قيل وليس المراد أنه لا يذمها أحد لأن خالد بن عبد الله القسري أمير العراق من جهة الوليد بن عبد الملك ذمها وسماها أم جعلان واحتفر بئرا خارج مكة بإسم الوليد بن عبد الملك وجعل يفضلها على زمزم ويحمل الناس على التبرك بها وفيه أن هذا جراءة منه على الله تعالى وقلة حياء منه وهو الذي كان يعلن ويفصح بلعن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه على المنبر فلا عبرة بذمه وقيل لزمزم طيبة لأنها للطيبين والطيبات من ولد إبراهيم وقيل لها برة لأنها فاضت للأبرار وقيل لها المضنونة لأنه ضن بها على غير المؤمنين فلا يتضلع منها منافق وقد جاء في رواية يقول الله تعالى ضننت بها على الناس إلا عليك ولعل المراد إلا على أتباعك فيكون بمعنى ما قبله وفي رواية أنه قيل لعبد المطلب احفر زمزم ولم يذكر له علامتها فجاء إلى قومه وقال لهم إني قد أمرت أن أحفر زمزم قالوا فهل بين لك أين هي قال لا قالوا فارجع إلى مضجعك الذي رأيت فيه ما رأيت فإن يكن حقا من الله تعالى بين لك وإن يكن من الشيطان فلن يعود إليك فرجع عبد المطلب إلى مضجعه فنام فيه فأتاه فقال احفر زمزم إنك إن حفرتها لن تندم وهي ميراث من أبيك الأعظم لا تنزف أبدا ولا تذم تسقى الحجيج الأعظم فقال عبد المطلب أين هي فقال هي بين الفرث والدم عند قرية النمل حيث ينقر الغراب الأعصم غدا أي والأعصم قيل أحمر المنقار والرجلين وقيل أبيض البطن وعلى هذا اقتصر الإمام الغزالي حيث قال
في قوله صلى الله عليه وسلم مثل المرأة الصالحة في النساء مثل الغراب الأعصم بين مائة غراب يعني الأبيض البطن هذا كلامه وقيل الأعصم أبيض الجناحين وقيل أبيض إحدى الرجلين فلما كان الغد ذهب عبد المطلب وولده الحارث ليس له ولد غيره فوجد قرية النمل ووجد الغراب ينقر عندها بين الفرث والدم أي في محلهما وذلك بين إساف نائلة الصنمين اللذين تقدم ذكرهما وتقدم أن قريشا كانت تذبح عندهما ذبائحها أي التي كانت تتقرب بها وهذا يبعد ما جاء في رواية أنه لما قام بحفرها رأى ما رسم له من قرية النمل ونقرة الغراب ولم ير الفرث والدم فبينما هو كذلك دنت بقرة من ذابحها فلم يدركها حتى دخلت المسجد فنحرها في الموضع الذي رسم له وقد يقال لا يبعد لأنه يجوز أن يكون فهم أن يكون الفرث والدم موجودين بالفعل فلا يلزم من كون المحل المذكور محلهما وجودهما فيه في ذلك الوقت فلم يكتف بنقرة الغراب في محلهما فأرسل الله له تلك البقرة ليرى الأمر عيانا وذكر السهيلي رحمه الله لذكر هذه العلامات الثلاث حكمة لا بأس بها ولعل إسافا ونالة نقلا بعد ذلك إلى الصفا والمروة بعد أن نقلهما عمرو بن لحى من جوف الكعبة إلى المحل المذكور فلا يخالف ما ذكره القاضي البيضاوي وغيره إن إسافا كان على الصفا ونائلة على المروة وكان أهل الجاهلية إذا سعوا مسحوهما أي ومن ثم لما جاء الإسلام وكسرت الأصنام كره المسلمون الطواف أي السعى بينهما وقالوا يارسول الله هذا كان شعارنا في الجاهلية لأجل التمسح بالصنمين فأنزل الله تعالى إن الصفا والمروة من شعائر الله الآية ويقال إن بقرة نحرت بالحزورة بوزن قسورة فانفلتت ودخلت المسجد في موضع زمزم فوقعت مكانها فاحتمل لحمها فأقبل غراب أعصم فوقع في الفرث فليتأمل الجمع وقد يقال لا منافاة لأن قوله في الرواية الأولى فندت بقرة من ذابحها أي ممن شرع في ذبحها ولم يتمه حتى دخلت المسجد فنحرها أي تمم ذبحها فقد نحرت بالحزورة وبالمسجد أو يراد بنحرها في الحزورة ذبحها وبنحرها في المسجد سلخها وتقطيع لحمها فقد رأينا الحيوان بعد ذبحه يذهب إلى موضع آخر ثم يقع به وعند ذلك جاء عبد المطلب بالمعول وقام ليحفر فقامت إليه قريش فقالوا له والله لا نتركك تحفر بين وثنينا اللذين ننحر عندهما فقال عبد المطلب لولده الحرث ذد عنى أي امنع عني حتى أحفر فوالله لأمضين لما أمرت به فلما رأوه غير نازع خلوا بينه وبين الحفر وكفوا عنه فلم يحفر إلا يسيرا حتى بدا له الطى أي البناء فكبر وقال هذا طى إسماعيل عليه السلام أي بناؤه فعرفت قريش أنه أصاب حاجته فقاموا إليه وقالوا والله يا عبد المطلب إنها بئر أبينا إسماعيل وإن لنا فيها حقا فأشركنا معك فقال ما أنا بفاعل إن هذا الأمر قد خصصت به دونكم فقالوا نخاصمك فيها فقال اجعلوا بيني وبينكم من شئتم أحاكمكم إليه قالوا كاهنة بني سعد بن هذيم وكانت بأعالي الشام أي ولعلها التي لما حضرتها الوفاة طلبت شقا وسطيحا وتفلت في فمهما وذكر أن سطيحا يخلفها في كهانتها ثم ماتت في يومها ذلك وسطيح ستأتي ترجمته وأما شق فقيل له ذلك لأنه كان شق إنسان يدا واحدة ورجلا واحدة وعينا واحدة فركب عبد المطلب ومعه نفر من بني عبد مناف وركب من كل قبيلة من قريش نفر وكان إذ ذاك ما بين الحجاز والشام مفازات لا ماء بها فلما كان عبد المطلب ببعض تلك المفاوز فنى ماؤء وماء أصحابه فظمئوا ظمأ شديدا حتى أيقنوا بالهلكة فاستقوا ممن معهم من قبائل قريش فأبوا عليهم وقالوا نخشى عن أنفسنا مثل ما أصابكم فقال عبد المطلب لأصحابه ما ترون قالوا مارأينا إلا تبع لرأيك فقال إني أرى أن يحفر كل أحد منكم حفيرة يكون فيها إلى أن يموت فكلما مات رجل دفعه أصحابه في حفرته ثم واروه حتى يكون آخرهم رجلا واحدا فضيعة رجل واحد أي يترك بلا مواراة أيسر من ضيعة ركب جميعا فقالوا نعم ما أمرت به فحفر كل حفيرة لنفسه ثم قعدوا ينتظرون الموت ثم قال عبد المطلب لأصحابه والله إن إلقاءنا بأيدينا هكذا إلى الموت لعجز فلنضرب في الأرض فعسى الله أن يرزقنا فانطلقوا كل ذلك وقومهم ينظرون إليهم ماهم فاعلون فتقدم عبد المطلب إلى راحلته فركبها فلما انبعثت أنفجرت من تحت خفها عين ماء عذب فكبر عبد المطلب وكبر أصحابه ثم نزل فشرب وشرب أصحابه وملأوا أسقيتهم ثم دعا القبائل فقال هلموا إلى الماء فقد سقانا الله
فاشربوا واستقوا فجاءوا فشربوا واستقوا ثم قالوا لعبدالمطلب قد والله قضى لك علينا يا عبد المطلب والله لا نخاصمك في زمزم أبدا إن الذي سقاك الماء بهذه الفلاة لهو الذي سقاك زمزم فارجع إلى سقايتك راشدا فرجع ورجعوا معه ولم يصلوا إلى الكاهنة فلما جاء وأخذ في الحفر وجد فيها الغزالتين من الذهب اللتين دفنتهما جرهم ووجد فيها أسيافا وأدراعا فقالت له قريش يا عبد المطلب لنا معك في هذا شرك فقال لا ولكن هلموا إلى أمر نصف بيني وبينكم والنصف بكسر النون وسكون الصاد المهملة وبفتحها النصفة بفتحات نضرب عليها بالقداح قالوا كيف تصنع قال أجعل للكعبة قدحين ولي قدحين ولكم قدحين فمن خرج قدحاه على شيء كان له ومن تخلف قدحاه فلا شيء له قالوا أنصفت فجعل قدحين أصفرين للكعبة وقدحين أسودين لعبد المطلب وقدحين أبيضين لقريش ثم أعطوها لصاحب القداح الذي يضرب بها عند هبل أي وجعلوا الغزالتين قسما والأسياف والأدراع قسما آخر وقام عبد المطلب يدعو ربه بشعر مذكرو في الإمتاع فضرب صاحب القداح فخرج الأصفران على الغزالتين وخرج الأسودان على الأسياف والأدراع وتخلف قدحا قريش فضرب عبد المطلب الأسياف بابا للكعبة وضرب في الباب الغزالتين فكان أول ذهب حليت به الكعبة ذلك ومن ثم جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما واله إن أول من جعل باب الكعبة ذهبا لعبدالمطلب وفي شفاء الغرام أن عبد المطلب علق الغزالتين في الكعبة فكان أول من علق المعاليق بالكعبة وسيأتي الجمع بين كونهما علقا بالكعبة وبين جعلهما حليا لباب الكعبة وقد كان بالكعبة بعد ذلك معاليق فإن عمر رضي الله تعالى عنه لما فتحت مدائن كسرى كان مما بعث إليه منها هلالان فعلقا بالكعبة وعلق بها عبد الملك بن مروان شمستين وقدحين من قوارير وعلق بها الوليد بن يزيد سريرا وعلق بها السفاح صحفة خضراء وعلق بها المنصور القارورة الفرعونية وبعث المأمون ياقوتة كانت تعلق كل سنة في وجه الكعبة في زمن الموسم في سلسلة من ذهب ولما أسلم بعض الملوك في زمنه أرسل إليها بصنمه الذي كان يعبده وكان من ذهب متوجا ومكللا بالجواهر والياقوت الأحمر والأخضر والزبرجد فجعل في خزانة الكعبة ثم إن الغزالتين سرقتا وأبيعتا من قوم تجار قدموا مكة بخمر وغيرها فاشتروا بثمنها خمرا وقد ذكر أن أبا لهب مع جماعة نفدت خمرهم في بعض الأيام وأقبلت قافلة من الشام معها خمر فسرقوا غزالة واشتروا بها خمرا وطلبتها قريش وكان أشدهم طلبا لها عبد الله بن جدعان فعلموا بهم فقطعوا بعضهم وهرب بعضهم وكان فيمن هرب أبو لهب هرب إلى أخواله من خزاعة فمنعوا عنه قريشا ومن ثم كان يقال لأبي لهب سارق غزالة الكعبة وقد قيل منافع الخمر المذكورة فيها أنهم كانوا يتغالون فيها إذا جلبوها من النواحي لكثرة ما يربحون فيها لأنه كان المشتري إذا ترك المماكسة في شرائها عدوه فضيلة له ومكرمة فكانت أرباحهم تتكثر بسبب ذلك وما قيل في منافعها أنها تقوى الضعيف وتهضم الطعام وتعين على الباه وتسلى المحزون وتشجع الجبان وتصفى اللون وتنعش الحرارة الغريزية وتزيد في الهمة والإستعلاء فذلك كان قبل تحريمها ثم لما حرمت سلبت جميع هذه المنافع وصارت ضررا صرفا ينشأ عنها الصداع والرعشة في الدنيا لشاربها وفي الآخرة يسقى عصارة أهل النار وفي كلام بعضهم من لازم شربها حصل له خلل في جوهر العقل وفساد الدماغ والبخر في الفم وضعف البصر والعصب وموت الفجاءة ومميتة للقلب ومسخطة للرب ومن ثم جاء أنها أي الخمرة ليست بدواء ولكنها داء وجاء اجتنبوا الخمر فإنها مفتاح كل شر أي كان مغلقا وجاء الخمر أم الفواحش وفي رواية أم الخبائث وجاء في الخمر لا طيب الله من تطيب بها ولا شفى الله من استشفى بها وقد قيل لا منافاة بين كون الغزالتين علقتا في الكعبة وسرقتا أو سرقت إحداهما وبين كون عبد المطلب جعلهما حليا للباب لأنه يجوز أن يكون عبد المطلب استخلص الغزالتين أو الغزالة من التجار ثم جعلهما حليا للباب بعد أن كان علقهما وفي الإمتاع وكان الناس قبل ظهور زمزم تشرب من آبار حفرت بمكة وأول من حفر بها بئرا قصي كما تقدم وكان الماء العذب بمكة قليلا ولما حفر عبد المطلب زمزم بنى عليها حوضا وصار هو وولده يملآنه فيكسره قوم من قريش ليلا حسدا فيصلحه نهارا حين يصبح فلما أكثروا من ذلك وجاء شخص واغتسل به غضب عبد المطلب غضبا شديدا فأرى في المنام أن قل اللهم إني لا أحلها لمغتسل وهي لشارب حل وبل أي حلال مباح ثم كفيتهم فقام عبد المطلب حين أختلفت قريش في المسجد ونادى بذلك فلم يكن يفسد حوضه أحد أو اغتسل إلا رمى في جسده بداء.
[من كتاب: السيرة الحلبية لنور الدين الحلبي]