من نوادر الملوك والعمال والقضاة

شاطر
avatar
الإدارة
Admin

عدد المساهمات : 1359
تاريخ التسجيل : 01/01/2014

من نوادر الملوك والعمال والقضاة

مُساهمة من طرف الإدارة في السبت 17 يونيو 2017 - 15:39


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
مكتبة الثقافة الأدبية
جمع الجواهر في الملح والنوادر

● [ من نوادر الملوك والعمال والقضاة ] ●

وكان القلهمان أحد حكماء الهند وفيلسوف أطبائهم وترجمان علومهم، وكان ترجمان ملك من ملوكهم يقال له ياكهثر بن شبرام، وكان ركيكاً إلا أنه من أهل بيت المملكة، فقال يوماً للقلهمان: ما العلم الأكبر ؟ قال: معرفة الطب. قال: فإني أعلم من الطب أكثره. قال: فما دواء المبرسم أيها الملك ؟ قال: الموت حتى تقل حرارة صدره ثم يعالج بعد بالأدوية الباردة. قال القلهمان: أيها الملك، من يحييه بعد الموت ؟ قال: ليس هذا من الطب. هذا علم آخر يوجد في كتاب النجوم. ولم أنظر في شيء منه إلا في باب الحياة، فإني وجدتها خيراً للإنسان من الموت. قال القلهمان: أيها الملك، على كل حال خير للجاهل. قال: لو نظر الجاهل في باب الموت لعلم أني قلت الحق.
وسألت أبو عون رجلاً عن مسألة فقال: على الخبير سقطت، سألت عنها أبي فقال: سألت أبي فقال: لا أدري.
قال أزهر: استعدت امرأة على زوجها عند ثمامة بن عبد الله بن أنس بن مالك وهو قاض فادعت مهرها ألف درهم، فقال: ألك بينة ؟ قالت: لا، قال: أفأحلفه لك ؟ قالت: إنه فاجر يحلف؛ ولكن ابعث إلى إسحاق بن سويد الفقيه فسله أن يحلف لي عنه. قال فأرسل إلى إسحاق بن سويد فلما حضر. قال له: احلف لهذه المرأة ما لها على زوجها ألف درهم ؟ قال إسحاق: ما أنا وهذا ! قال: فيبطل حق هذه المرأة ؟ لتحلفن لها أو لأحبسنك، فلم يحلف فحبسه. فأتاه ابن سيرين فقال: لا ألومك على حبسك إسحاق، ولكن لم وليت القضاء ؟ قال: أكرهني عليه السلطان. قال: كنت تعلمه أنك لا تحسنه. قال: كنت أنا أكذب ؟ وكان نصر بن مقبل بن الوزير على الرقة عاملاً لهارون الرشيد، فأخذ بعض أصحابه رجلاً ينكح شاة، وأجمعوا الذهاب به إلى نصر، وكان الرجل ظريفاً فقال: يا قوم؛ إنها والله ملك يميني. فضحوا منه وخلوا سبيله، وذهبوا بالشاة إلى نصر؛ فأمر أن تضرب الحد، فإن ماتت تصلب، قالوا: إنها بهيمة ؟ قال: وإن كانت بهيمة؛ فإن الحدود لا تعطل، وإن عطلتها فبئس الوالي أنا.
فانتهى حديثه إلى الرشيد ولم يكن رآه، وكان نبيل القد، حسن المنظر، جليل القدر؛ فدعا به فوقف بين يديه، فقال: من أنت ؟ قال: مولى لبني الكلب يا أمير المؤمنين، فضحك. ثم قال: كيف بصرك في الحكم ؟ قال: البهائم يا أمير المؤمنين والناس عندي سواء، ولو وجب الحكم على بهيمة وكانت أمي أم أختي لحددتها، ولم تأخذني في الله لومة لائم. فأمر هارون ألا يستعمل، فلم يزل معطلاً حتى ولي المأمون، فرفع يسأله الاستعانة به، فولاه طبرناباذ، وأمره أن يكون على العصير بها، فلم يزل على ذلك حتى مات.
وكان مقاتل بن حسان على قضاء البصرة، فسأله رجل عن مسألة. فقال: لا أعرف الجواب، فقال: أنت قاض ولا تحسن المسألة ؟ قال: نعم ! لأن الثور أعظم من الحمار ولا يحسن أن يركض ركض الحمار. قال: أيها القاضي؛ فهذا مثلك ؟ قال: بل هذا مثلي ومثلك. قال: فأيهما أنت ؟ قال: أنبلهما وأعظمهما يعني الثور.

● [ حسن مظهر وسوء مخبر ] ●

قال أبو الهذيل العلاف: كان يختلف إلي فتىً من أهل الموصل حسن السمت، نير الوجه، تقي الثياب؛ فكان يصمت في المجلس، وإذا أتاه النهوض قال: أستغفر الله لي وللمتكلم، ثم يمضي. قال: فنبل في عيني، ولاط بقلبي، وحلا في صدري؛ فذكرت قول الحكيم في كتاب جاودان خرد: يحرم على السامع تكذيب القائل إلا في ثلاث هن غير الحق؛ صبر الجاهل على مضض المصيبة، وعاقل أبغض من أحسن إليه، وحماة أحبت كنة.
فقال الفتى: لولا حفظي لنظير هذه الكلمات وسماعهن من ثقة ! فاشرأببنا إليه وقلنا: ماذا ذاك ؟ يرحمك الله ! وظننا أنه سيأتي بأحسن منهن. فقال: حدثني أبي عن جدي أنه قرأ في بعض كتب الحكماء: ليس الجائع كالشبعان، ولا المكسي كالعريان، ولا النائم كاليقظان.
فطأطأت رأسي، وجعل أصحابي ينظرون إلي وإليه، وكرهت أن أسأله عن شيء بعد هذا. فقال له بعضهم: من أنت يا فتى ؟ قال: من فوق الأرض ومن تحت السماء. قال: فمن العرب أم من الموالي ؟ قال: من أوسطهما، قال: فما الاسم ؟ قال: لجام، قال: فما الكنية ؟ قال أبو السراج، قال: فما بالك لا تنهض ؟ فوالله ما أنت إلا حمار، فوثب قائماً. وقال: ليس البحث منكم، ولكن مني حيث أجلس إلى أمثالكم ولا تعرفون ما طحاها.

● [ من كتب الفرس ] ●

وكتاب جاودان خرد من أجل كتب الفرس، وكان سببه على ما ذكر الجاحظ أن بعض الأكاسرة كان زاهداً في كتب الأدب، راغباً في التكبر عن النظر فيهما، والتعظم عن الاشتغال بشيء منها، وكان له وزير يقال له كنجور بن أسفنديار، فصنع ترجمة لكتاب لم يعلمها أحد، وجعلها في ورقة، وألقاها إلى الملك وكانت الترجمة: هذا كتاب تصفية الأذهان، ونقاء الفكر، وسراج القلوب، من كتاب واضح عمود الحكمة.
فلما نظر الملك إلى هذه الترجمة شغفه حسنها، فقال لكنجور: لقد غلبت هذه الترجمة على هواي، وقادت عزمي، وبعثت رأيي على هذا الكتاب؛ فسل عنه سؤالاً حفياً يرجع بجلية الخبر، وابعث الحكماء الأدلاء، على تفتيش منازل الحكماء، فإن وجدته في شيء من مملكتي، كنت أولى الناس باصطناع صاحبه، وإن وصف أنه في شيء من أقاليم الهند، كتبت إلى ملك ذلك الإقليم، وسألته المن علي بدفع نسخة منه، وكافأته بهدية مكافأة مثلي على وجود طلبته.
فقال كنجور: أيها الملك، لست أفزع باستفراغ مجهودي والله المعين. وصار إلى منزله ولم يخرج منه حتى صنع كتابه المعروف بجاودان خرد.
قال الجاحظ: حدثني الواقدي قال: قال الفضل بن سهل: لما دعي للمأمون بكور خراسان بالخلافة جاءتنا هدايا الملوك سروراً بمكانه من الخلافة، ووجه ملك كابلستان شيخاً يقال له ذوبان، وكتب يذكر أنه وجه بهدية ليس في الأرض أسنى ولا أرفع ولا أنبل ولا أفخر منها. فعجب المأمون وقال: سل الشيخ ما معه من الهدية ؟ فقال: ما معي شيء أكثر من علمي، فقلت: وأي شيء علمك ؟ قال: رأي ينفع، وتدبير يقطع، وجلالة تجمع. فسر المأمون به وأمر بإنزاله وإكرامه وكتمان أمره؛ فلما أجمع على التوجه إلى العراق لقتال محمد الأمين أخيه دعا بذوبان، فقال: ما ترى في التوجه إلى العراق ؟ قال: رأي دقيق، وحزم مصيب، وملك حريب، والسبب ماض، فاقض ما أنت قاض. قال: فمن نوجه ؟ قال: الفتى الأعور، الطاهر الأطهر، الظاهر الأظهر، يستر ولا يفتر؛ قوي مرهوب، مقاتل غير مغلوب.
قال: فمن نوجه معه من الجند ؟ قال: أربعة آلاف، صوارم الأسياف، لا ينقصن في العدد، ولا يحتجن إلى مدد. قال: فما رأيت المأمون سر كسروره ذلك اليوم.
فوجه بطاهر؛ فلما تهيأ له الخروج سأل ذوبان: في أي وقت يخرج من النهار ؟ قال: مع طلوع الفجر يجمع لك الأمر، وتصير إلى النصر.
فخرج في ذلك الوقت، فلما كتب بذكر مقدمه الري دعا المأمون بذوبان فقال: قد قرب صاحبنا من العدو وقربوا منه، فما عندك دلالة أبو بينة تكون لنا أو علينا ؟ قال: قد تعرفت شانه، إذ أتى فسطاطه، كان نصر سريع، وقتل ذريع، وتفرقت تلك الجموع، والنصر له لا عليه، ثم يرجع الأمر إليك وإليه.
فكتب المأمون بذلك إلى طاهر ليقوي عزمه، فلما كتب بقتله علي بن عيسى ابن ماهان واستيلائه على عسكره وأمواله، وخبر ما أولى الله المأمون في أوليائه؛ من النصر والظفر بأعدائه، دعا ذوبان وأمر له بمائة ألف درهم فلم يقبلها. وقال: أيها الملك؛ إن ملكي لم يوجهني إليك هدية لينقصك مالك؛ فلا تجعل ردي نعمتك سخطاً؛ فليس عن استخفافٍ بقدرها؛ وسوف أقبل ما يفي بهذا المال ويزيد، وهو كتاب يوجد في العراق فيه مكارم الأخلاق، وعلوم الآفاق، وهو كتاب عظيم للفرس، فيه شفاء النفس، به من صنوف الآداب، ما لا يوجد في كتاب، عند عاقل لبيب، ولا فطن أريب، يوجد في خزائن، عند الإيوان بالمدائن.
فلما قدم المأمون بغداد، واستقر بها ملكه اقتضاه ذوبان حاجته، وأمر أن تكتب القصة والموضع الذي يشير إليه، فكتب: سر إلى وسط الإيوان، من غير زيادة ولا نقصان، واجعل القسمة بالذرعان، ثم احفر المدر، فاقلع الحجر؛ فإذا وصلت إلى الساجة، فاقتلعها تجد الحاجة، فخذها ولا تعرض لغيرها، فيلزمك غب ضيرها.
فوجه المأمون في ذلك رسولاً حصيفاً، فسار إلى الموضع، ففعل ما قيل له؛ فوجد صندوقاً صغيراً من زجاج أسود عليه قفل منه، فحمله ورد الحفرة إلى حالها الأول.
قال عمرو بن بحر: فحدثني الحسن بن سهل قال: إني لعند المأمون إذ وصل ذلك الصندوق، فجعل يتعجب منه، ثم دعا بذوبان فقال له: هذه بغيتك ؟ قال: نعم ! أيها الملك، لست ممن تنقض رغبته ذمام عهده، ولا يحل طمعه عقدة وفائه، ثم تكلم بلسانه، ونفخ في القفل فانفتح، فأدخل يده وأخرج منه خرقة ديباج فنشرها فسقط منها أوراق، فرد الأوراق في الخرقة ونهض. ثم قال: أيها الملك، هذا الصندوق يصلح لرفيع خبيات خزائنك، فأمر به فرفع.
قال الحسن بن سهيل: فقلت: ترى يا أمير المؤمنين أن أسأله ما في هذا الكتاب ؟ قال: يا حسن، أفر من اللؤم ثم أرجع إليه ؟ أمرته ألا يفتحه بين يدي قطعاً للطمع فيه، وصمتةً بالمسألة عنه، وتحرياً للرغبة فيه، والله لا كان هذا أبداً.
فلما خرج صرت إلى منزله فسألته عنه مسألة راغب فيه، فقال: هذا كتاب جاودان خرد تأليف كنجور ملك سبراشهرا، فقلت: أعطني ورقةً منه أنظر فيها. فأعطاني فوقعت عليها عيني. وأسرجت لها ذهني، وأجلت فيها فكري؛ فلم أزدد منه إلا بعداً؛ فدعوت بالخضر بن علي، وذلك في صدر النهار، فلم ينتصف حتى فرغ من قراءتها بينه وبين نفسه؛ ثم جعل يفسرها وأنا أكتب، ثم رددت الورقة وأخذت منه نحو ثلاثين ورقة، فدخلت عليه يوماً فقلت: يا ذوبان؛ يكون في الدنيا من يحسن مثل هذا الكتاب ؟ قال: يجوز أن يكون فيها من يحسن ترجمة هذا الكتاب، ولا يجوز أن يكون فيها من يحسن مثل هذا الكتاب. قلت: فهل تعرف من يترجمه ؟ قال: نعم، وأصفه لك، هو طوال أنزع، إن تكلم تتعتع، يفوق أهل زمانه، بما يكون من شأنه، اسمه خضير، يقوم بأمر خطر، لو كان له عمر، ولولا أن العلم سبيل الدنيا والآخرة، وهو الكرامة الفاخرة، ومن معرفة قدره الضن به، لرأيت أن أدفعه إليك بتمامه، ولكن لا سبيل إلى أكثر مما أخذت.
ولم تكن الأوراق التي أخذتها على التأليف؛ لأنا أصبنا ورقة فيها علامات فيها الكنوز، وآخر الورقة مكتوب: دليل هذا الباب في الورقة التي تليها؛ ولم نجد غير هذا بتاً؛ غير أنا وجدنا أبواباً من الحكمة تشهد لها القلوب بحقيقة الصحة، وتحلف طيها الألسن بغاية النهاية.
هذا من كلام الحسن بن سهل كقول أبي تمام يصف شعره:
ومحلفةٍ لمّا ترد أُذن سامعٍ . فتصدر إلاّ عن يمينٍ وشاهد
قال الجاحظ: وحدثني الحسن بن سهل قال: قال لي المأمون: أي كتب العرب أنبل ؟ قال قلت المبتدأ ؟ قال: لا. قلت: فالتاريخ ؟ قال: لا، فسكت، فقال: تفسير القرآن، لأنه لا شبه له، وتفسيره لا شبه له. ثم قال: أي كتب العجم أنبل ؟ فاستعرضتها فقلت: هذا كتاب ذوبان، وقد كتبت بعضه، فقال: إيتني به معجلاً. فوجهت في حمله، فوافاني الرسول وقد نهض يريد الصلاة. فقال: فلما رآني مقبلاً والكتاب معي انحرف عن القبلة، وأخذ الكتاب وجعل ينظر فيه، فإذا فرغ من باب قال: لا إله إلا الله، فلما طال ذلك عليه قعد وجعل يقرأ؛ فقلت: الصلاة تفوت وهذا لا يفوت. قال: صدقت غير أني أخاف السهو في الصلاة لاشتغال قلبي بلذيذ ما في هذا الكتاب، وما أجد للسهو حائلاً غير ذكر الموت فجعل يقرأ: " إنك ميت وإنهم ميتون " . ثم وضع الكتاب. وقام فكبر؛ فلما فرغ من صلاته نظر فيه حتى أتى على آخره. ثم قال: أين تمامه ؟ قلت: عند ذوبان لم يدفعه إلي. فقال: لولا أن العهد حبل أحد طرفيه بيد الله والآخر بأيدينا لأخذته منه، فهذا والله الكلام، لا ما نحن فيه من لي ألسنتنا في فجوات أشداقنا.

● [ من الحكم ] ●

قال الحسن بن سهل: قرأت في هذا الكتاب: ثلاث لا يصلح فسادهن بشيء من الحيل: العداوة بين الأقارب، وتحاسد الأكفاء، والركاكة في العقول. وثلاث لا يستفسد صلاحهن بنوع من المكر: العبادة في العلماء، والقنوع في المستبصرين، والسخاء في ذوي الأخطار. وثلاث لا يشبع منهن: الحياة، والعافية، والمال. وثلاث تبطل مع ثلاث: الشدة مع الحيلة، والعجلة مع التأني، والإسراف مع القصد.
وهذا كما قال الخضر بن علي: رأيت بعدن حجراً مكتوباً عليه بالحميرية: يأيها الشديد؛ احذر الحيلة، ويأيها العجول؛ احذر التأني، ويأيها المحارب؛ لا تأمن من التفكر في العاقبة، ويأيها الرائد موجوداً لا تقطع أملك عن بلوغ مثله.
أما قوله للمحارب، فقد قال علي بن أبي طالب رضوان الله عليه: من فكر في العواقب لم يشجع.

● [ شجاعة وحسن بلاء ] ●

وقال سعد بن ناشب الغنوي:
عليكم بداري فاهدموها فإنّها . تراث كريم لا يخاف العواقبا
إذا همّ ألقى بين عينيه همّه . ونكّب عن ذكر العواقب جانبا
ولم يستشر في رأيه غير نفسه . ولم يرض إلاّ قائم السيف صاحبا
وقد قال معاوية رضي الله عنه: هممت مرات كثيرةً بصفين أن أخيس فلم يردني إلا أبيات ابن الإطنابة:
أبت لي عفّتي وأبى بلائي . وأخذي المجد بالثمن الربيح
وقولي كلّما جشأت وجاشت . مكانك تحمدي أو تستريحي
وإقدامي على المكروه نفسي . وضربي هامة البطل المشيح
لأدفع من مآثر صالحاتٍ . وأمنع بعد عن نسبٍ صريح
وابن الإطنابة هو عمرو بن عامر بن زيد مناة بن مالك بن الأغر الخزرجي، وهو فارس مشهور معروف، والإطنابة أمه.
وقد أحسن قطري بن الفجاءة في هذا المعنى حيث قال:
وقولي كلّما جاشت لنفسي . من الأعداء ويحك لا تراعي
فإنك لو سألت مزيد يومٍ . أبى الأجل المقدّر أن تطاعي
وقال بعض الغزاة: فتحنا حصناً من بلاد الروم، فرأينا فيه صورة أسد من حجر عليه مكتوب: الحيلة خير من الشدة، والتأني أفضل من العجلة، والجهل في الحرب أحزم من العقل، والتفكر في العاقبة من أمارة الجزع.
ووجه ملك الروم إلى الرشيد بثلاثة أسياف مع هدايا كثيرة، على سيف منها مكتوب: أيها المقاتل؛ احمل تغنم، ولا تفكر في العاقبة تهزم. وعلى الثاني: التأني فيما لا تخاف عليه الفوت، أفضل من العجلة إلى إدراك الأمل. وعلى الآخر: إن لم تصل ضربة سيفك، فصلها بإلقاء خوفك.
وهذا كقول كعب بن مالك الأنصاري:
نصل السيوف إذا قصرن بخطونا . قدماً ونحلقها إذا لم تلحق
وكقول نهشل بن حري:
إذا الكماة تأبّوا أن ينالهم . حدّ السيوف وصلناها بأيدينا
وأعطى بعض الأمراء سيفاً لرجل فقال له: صله بخطواتك. فقال له: الصبر أقرب من تلك الخطوة.
وأعطى آخر لرجل سيفاً فسأله بدله، وقال: هو غير ماض. قال: خذه، فالسيوف مأمورة، قال: فهذا أمر ألا يقطع.
وانهزم رجل، فدخل على أميره فشتمه وقال: أعطيت بيدك وهربت، ولم توغل ولا صبرت ! فقال: لئن تشتمني أصلحك الله وأنا حي خير من أن تترحم علي وأنا ميت.
وقيل لأعرابي: اخرج إلى الغزو ! فقال: أنا والله أكره الموت على فراشي، فكيف أمشي إليه ركضاً ؟!.
أخذ هذا المعنى أحمد بن أبي فنن فقال مستطرداً يمدح أبا دلف القاسم بن عيسى العجلي والاستطراد أن يريك الفارس أنه ولى، وإنما ولى لتتبعه فيكر عليك كذلك الشاعر يريك أنه يصف شيئاً، ثم يعن له معنىً فيأتي به، وكأنه ليس من قصده ولم يقصد غيره:
ما لي وما لك قد كلّفتني شططاً . حمل السلاح وقول الدارعين قف
أمن رجال المنايا خلتني رجلاً . أُمسي وأُصبح مشتاقاً إلى التلف
أرى المنايا على غيري فأكرهها . فكيف أمشي إليها بارز الكتف ؟
أخلت أنّ سواد الليل غيّرني . أو أنّ قلبي في جنبي أبي دلف ؟
لأنه كان شديد السواد.
ولما دخل على المعتز قال: هذا الشاعر الأسود ؟ قال: لا يضره سواده، أعزكم الله تعالى؛ فإن بيض أباديكم عنده.
وقال المنصور لبعض الخوارج وقد أتي به أسيرا : أخبرني أي أصحابي كان أشد إقداماً في مبارزتكم ؟ فقال: ما أعرف وجوههم مقبلين، وإنما أعرف أقفاءهم؛ فمرهم أن يدبروا لأعرفك أشدهم إدباراً.
أخذه ابن الرومي فقال في سليمان بن عبد الله بن طاهر وكان قد خرج في بعض الوجوه فهزم:
قرن سليمان قد أضرّ به . شوقٌ إلى وجهه سيدنفه
أعرض عن قرنه وفرّ فما . أصبح شيءٌ عليه يعطفه
كم يعد القرن باللقاء وكم . يكذب في وعده ويخلفه
لا يعرف القرن وجهه ويرى . قفاه من فرسخٍ فيعرفه
وله في هذا المعنى أهاج كثيرة فمن ظريفها:
سليمان ميمون النقيبة حازم . ولكنّه حتمٌ عليه الهزائم
ألا عوّذوه من توالي فتوحه . عسى أن تردّ العين عنه التمائم
وقال:
جاء سليمان بني طاهر . فاجتاح معتزّ بني المعتصم
كأنّ بغداد لدن أبصرت . طلعته نائحةٌ تلتدم
مستقبل منه ومستدبر . وجه بخيلٌ وقفاً منهزم

● [ من ملح أبي دلامة ] ●

وقال روح بن حاتم لأبي دلامة: اخرج معي وهذه عشرة آلاف درهم. فقال:
إني أعوذ بروحٍ أن يقرّبني . إلى الحمام فتشقى بي بنو أسد
إنّ المهلّب حبّ الموت أورثكم . وما ورثت اختيار الموت من أحد
وكان أبو دلامة شاعراً فصيحاً، وماجناً مليحاً، واسمه زند بن الجون الأزدي.
ودخل على أبي جعفر المنصور فأنشده وذكر زوجته:
فاخرنطمت ثم قالت وهي مغضبةٌ . أأنت تتلو كتاب اللّه يالكع ؟!
قم كي تبيع لنا نخلاً ومزدرعاً . كما لجارتنا نخلٌ ومزدرع
خادع خليفتنا عنها بمسألةٍ . إنّ الخليفة للسؤّال ينخدع
قال: قد أمرنا لك بمائة جريب عامر، ومائة جريب غامر. فقال: وما الغامر يا أمير المؤمنين ؟ قال: الذي لا ينبت، قال: فإني أقطعك عشرة آلاف جريب من فيافي بني أسد. فضحك وأمر له بالجميع عامراً، فقال: إئذن لي في تقبيل يدك يا أمير المؤمنين ؟ فقال: أما هذه فدعها، فقال: ما منعت عيالي شيئاً أسهل عليهم من هذه.
ودخل أبو دلامة يوماً على أبي جعفر المنصور فأنشده:
إنّي رأيتك في المنا . م وأنت تعطيني خياره
مملوءةً بدراهم . وعليك تأويل العباره
فقال له المنصور: امض فأتني بخيارة أملؤها لك دراهم. فمضى فأتى بأعظم دباءة توجد. ما هذا ؟ قال: يلزمني الطلاق إن كنت رأيت إلا دباءة، ولكني نسيت، فلما رأيت الدباءة في السوق ذكرتها.
وهذا إنما أخذه من ابن عبدل الأسدي، وقد دخل على بعض بني مروان، فقال: تأذن لي أصلحك الله أن أقص عليك رؤيا رأيتها ؟ فقال: هات؛ فأنشد:
أغفيت قبل الصبح نوم مسهّدٍ . في ليلةٍ ما كنت قبل أنامها
فرأيت أنّك رعتني بوليدةٍ . فتذانةٍ حسن عليّ قيامها
وببدرةٍ حملت إليّ وبغلةٍ . دهماء ناجيةٍ يصلّ لجامها
فدعوت ربي أن يثيبك جنّةً . عوضاً يصيبك بردها وسلامها
فقال: عندي كل شيء إلا البغلة فإنها عندنا شهباء. فقال: امرأتي طالق إن كنت رأيتها إلا شهباء، ولكني غلطت.
ولابن عدل ظريفة مع بشر بن مروان: وذلك أنه كان متصلاً به، منقطعاً إليه، فأغفله، فغاب عنه أياماً ثم أتاه فقال: أين غبت، فقد طلبتك فلم أقدر عليك ؟ قال: خرجت أيها الأمير إلى البادية أطلب التزوج بابنة عم لي أيم فقالت: لي أموال متفرقة على الناس، وأنا امرأة لا قيم لي، فاقتضها لي وأنا أتزوجك؛ فاقتضيت لها جميع أموالها، فلما فرغت كتبت إلي:
سيخطئك الذي أمّلت منّي . بقطع حبال وصلك من حبالي
كما أخطاك معروف ابن بشر . وكنت تعدّ ذلك رأس مال
فضحك وقال: ما أحسن ما تلطفت.
ودخل أبو دلامة يوماً على المنصور وبين أصبعيه خرقة، فقال له: ما هذا يا أبا دلامة ؟ فقال: ولدت لي الباحة صبية وقد قلت فيها:
فما ولدتك مريم أُمّ عسى . ولم يكفلك لقمان الحكيم
ولكن قد ولدت لأمّ سوءٍ . يقوم بأمرها بعلٌ لئيم
فضحك المنصور وقال: ما تريد ؟ قال: ملء هذه الخرقة أستعين بها على تربيتها. فقال المنصور: أملأوها دراهم، ففتحوها فإذا هي رداء رقيق كبير، فملأوه؛ فأخذ عشرة آلاف درهم.
وكان المنصور بخيلاً، وإنما كان أبو دلامة يستنزله بالملح لشدة بخله، فقد كان يتجاوز الغاية في ذلك.

● [ بخل المنصور ] ●

وكان المنصور قبل أن يلي الخلافة ينزل على أزهر السمان، فلما استخلف صار إليه أزهر. فقال: ما أقدمك ؟ قال: حاجة أمير المؤمنين؛ علي أربعة آلاف درهم، ولي دار متهدمة، وأريد البناء لابني محمد. فأمر له باثني عشر ألف درهم. وقال: يا أزهر؛ لا تأتنا طالب حاجة. قال: أفعل.
فلما كان بعد قليل عاد فقال: يا أزهر؛ ما جاء بك ؟ قال: جئت مسلماً على أمير المؤمنين، قال: إنه ليقع في نفسي أن ما أتيت إلا لما أتيت له في المرة الأولى، وأمر له باثني عشر ألف درهم. وقال: لا تأتنا طالب حاجة ولا مسلماً. قال: نعم ! ثم ما لبث أن عاد فقال: يا أزهر؛ ما جاء بك؟ قال: دعاء كنت سمعت أمير المؤمنين يدعو به فجئت مستملياً لآخذه عن أمير المؤمنين. فقال: لا تكتبه فإن غير مستجاب، لأني دعوت الله به أن يرحني منك فلم يستجب لي. ثم صرفه ولم يعطه شيئاً.

● [ ابن هرمة يمدح المنصور فيجيزه ] ●

ولما دخل عليه إبراهيم بن علي بن هرمة أنشده قصيدته التي يقول فيها:
له لحظاتٌ في حفافيّ سريره . إذا كرّها فيها عقابٌ ونائل
فأمّ الذي أمّنت آمنة الردى . وأمّ الذي حاولت بالثكل ثاكل
فرفع الحجاب له، وأقبل عليه وأمر له بعشرة آلاف درهم. ثم قال: يا إبراهيم: لا تتلفا طمعاً في مثلها، فما كل وقت تصل إلينا، ولا يصلك منا مثلها. فقال: ألقاك بها يا أمير المؤمنين يوم العرض بختم الجهبذ. فضحك. وقال: اذكر حوائجك ؟ فقال: تكتب لي إلى عامل المدينة ألا يحدني إذا أتي بي إليه وأنا سكران، فقال: هذا حد من حدود الله لا يمكن تعطيله. فقال: تحتال لي يا أمير المؤمنين، فكتب إلى عامر المدينة؛ من أتاك بابن هرمة وهو سكران فاضربه الحد، واضرب الذي يأتيك به مائة. فتحاماه الشرط. فكانوا يمرون به مطروحاً في سكك المدينة فيقولون: من يشتري ثمانين بمائة ؟!

● [ مدحة وعطاء ] ●

وقال المؤمل بن أميل: قدمت على المهدي وهو إذ ذاك ولي عهد أبيه، فامتدحته فأمر لي بعشرين ألف درهم، فكتب ذلك صاحب البريد إلى المنصور وهو بمدينة السلام يخبره أن الأمير أمر لشاعر بعشرين ألف درهم، فكتب إليه يعذله ويلومه، ويقول: إنما كان ينبغي لك أن تعطي الشاعر إذا أقام ببابك سنة أربعة آلاف درهم، وكتب إلى كاتبه أن يوجه إليه بالشاعر، فطلب فلم يقدر عليه، فكتب إليه أن قد توجه إلى مدينة السلام.
فأجلس قائداً من قواده على جسر النهروان، وأمره أن يتصفح الناس رجلاً رجلاً، فجعل لا يمر به قافلة إلا تصفحهم، فمرت القافلة التي فيها المؤمل، فقال له: من أنت ؟ قال: المؤمل بن أميل من زوار المهدي، قال: إياك أردت، قال المؤمل: فكاد والله قلبي ينصدع خوفاً من أبي جعفر، فقبض علي، وقال: سر، فسرت معه فسلمني إلى الربيع، فدخل الربيع على المنصور فقال له: هذا الشاعر قد ظفرنا به. قال: أدخلوه. قال: فدخلت عليه فسلمت فرد السلام. فقلت: ليس ههنا إلا الخير، فقال: أنت المؤمل بن أميل ؟ قلت: نعم أصلح الله أمير المؤمنين، أنا المؤمل، فقال: أتيت غلاماً غراً فجدعته فانخدع !! فقلت: بل أتيت كريماً فخدعته فانخدع، والكريم يخدع، قال: فكأن ذلك أعجبه، فقال: أنشدني ما قلت فيه، فأنشدته:
هو المهديّ إلاّ أنّ فيه . مشابه صورة القمر المنير
تشابه ذا وذا فهما إذا ما . أنارا يشكلان على البصير
فهذا في الضياء سراج عدلٍ . وهذا في الظلام سراج نور
ولكن فضّل الرحمن هذا . على ذا بالمنابر والسرير
وبالملك العزيز فذا أميرٌ . وما ذا بالأمير ولا الوزير
ونقص الشهر يخمد ذا، وهذا . منيرٌ عند نقصان الشهور
فيابن خليفة اللّه المصفّى . به تعلو مفاخرة الفخور
لئن فتّ الملوك وقد توافوا . إليك من السهولة والوعور
لقد سبق الملوك أبوك حتّى . أتوا ما بين كابٍ أو حسير
وجئت وراءه تجري حثيثاً . وما بك حين تجري من فتور
فقال الناس ما هذان إلاّ . كما بين الخليق من الجدير
لئن فات الكبير مدى الصغير . فذا فضل الكبير على الصغير
وإن بلغ الصغير مدى الكبير . فقد خلق الصغير من الكبير
فقال: والله لقد أحسنت، ولكن لا تساوي عشرين ألف درهم، فأين المال ؟ قلت: هوذا، قال: يا ربيع، انزل معه فأعطه عشرة آلاف درهم وخذ الباقي.
فلما صارت الخلافة إلى المهدي وولي ابن ثوبان المظالم، وكان يجلس للناس بالرصافة، فإذا ملأ ثوبه رقاعاً دفعها إلى المهدي؛ فدفعت إليه رقعةً، فلما دخل بها ابن ثوبان وجعل المهدي ينظر في الرقاع حتى نظر في رقعتي ضحك، فقال له ابن ثوبان: أصلح الله أمير المؤمنين، ما رأيتك ضحكت من شيء إلا من هذه الرقعة ؟ فقال: هذه رقعة أعرف سببها، ردوا عليه العشرة آلاف، فردت.
أخذ قوله في القمر علي بن الجهم فقال:
رأيت الهلال على وجهه . فلم أدر أيّهما أنور
سوى أنّ ذاك بعيد المحلّ . وهذا قريبٌ لمن ينظر
وذاك يغيب وذا حاضر . وما من يغيب كمن يحضر
وقال إبراهيم بن العباس:
وعابك أقوامٌ فقالوا شبيهةً . لبدر الدجى حاشاك أن تشبهي البدرا
لئن شبّهوك البدر ليلة تمّه . لقد قارفوا الشّنعاء واقترفوا الوزرا
أيشبه بدرٌ آفلٌ نصف شهره . ضياءً منيراً يطلع الشهر والدهرا ؟
وإنما نقل المؤمل في موازنة المهدي بالمنصور قول زهير بن أبي سلمى: قال الربيع بن يونس الحاجب: كنا وقوفاً على رأس المنصور في يوم عيد وقد طرحت وسادةٌ بين يديه؛ فجلس المهدي عليها، والناس سماطان على مراتبهم، إذ أقبل صالح بن المنصور الملقب بالمسكين وهو حدث فوقف بين السماطين فسلم وأحسن ثم استأذن في الكلام فأذن له فتكلم. قال الربيع: فلم يبلغه ذلك اليوم خطيب؛ فمد المنصور يده فقال: إلي يا بني، فلما دنا منه اعتنقه وأقعده قدامه، ثم نظر في وجوه القوم هل منهم أحد يصف كلامه وما كان منه ! فكلهم هاب المهدي، فقال عقال بن شبة فقال: لله در خطيب قام عندك يا أمير المؤمنين، ما أفصح لسانه، وأبين بيانه، وأمضى جنانه، وأبل ريقه، وأغمض عروقه، وأسهل طريقه ! وحق لمن كان أمير المؤمنين أباه، والمهدي أخاه، أن يكون كما قال زهير:
هو الجواد فإن يلحق بشأوهما . على تكاليفه فمثله لحقا
أو يسبقاه على ما كان من مهلٍ . فبالذي قدّما من صالحٍ سبقا
قال الربيع: فقال لي أبو عبد الله وكان إلى جانبي ما رأيت مثل عقال بن شبة قط؛ أرضى أمير المؤمنين، ومدح الغلام، وسلم من مذمة المهدي.
فقال المنصور للربيع: لا ينصرف التميمي إلا بثلاثين ألف درهم.
قال أبو بكر الصولي: وأبيات المؤمل حسان لا أعرف له خيراً منها، ولو قلت: إنه لا يعد شاعراً إلا بها ما أبعدت، وما كان يعرفها الناس، وإنما شهر بقصيدته التي أولها:
شفّ المؤمّل يوم الحيرة النظر . ليت المؤمّل لم يخلق له بصر
ويقال: إنه لما قال هذا عمي، فرأى في منامه إنساناً يقول له: هذا ما تمنيت في شعرك. ومن أحسن ما قاله المؤمل قوله:
أبهار قد هيجت لي أوجاعاً . وتركتني صبّاً بكم مطواعا
بحديثك الحسن الذي لو حدّثت . وحش الفلاة به لجئن سراعا
واللّه لو علم البهار بأنها . أضحت سميّته لطال ذراعا

● [ أبو دلامة والمنصور ] ●

وكان المنصور قد أخذ الناس بلباس قلانس طوال، وأن يكتبوا في ظهور ثيابهم: " فسيكفيكهم اللّه وهو السميع العليم " ، وأن يطيلوا حمائل سيوفهم. فدخل أبو دلامة عليه في ذلك الزي، فقال: كيف حالك يا أبا دلامة ؟ فقال: ما حال من صار وجهه في وسطه، وسيفه في استه، وقد نبذ كتاب الله وراء ظهره !! فأمر المنصور بتغيير ذلك الزي.
ودخل أبو دلامة على أم سلمة بنت يعقوب بن مسلمة المخزومية زوجة أبي العباس السفاح يعزيها عنه فبكى وأنشد قصيدةً منها:
أمسيت بالأنبار يابن محمّدٍ . لا تستطيع من البلاد حويلا
ويلي عليك وويل أهلي كلّهم . ويلاً وهولاً في الحياة طويلا
فلتبكينّ لك النساء بعبرةٍ . وليبكينّ لك الرجال عويلا
مات النّدى إذ متّ يابن محمد . فجعلته لك في التراب عديلا
إن أجملوا في الصبر عنك فلم يكن . صبري ولا جلدي عليك جميلا
يجدون منك خلائفاً وأنا امرؤٌ . لو عشت دهري ما وجدت بديلا
إني سألت النّاس بعدك كلّهم . فوجدت أسمح من وجدت بخيلا
ألشقوتي أُخّرت بعدك للذي . يدع العزيز من الرجال ذليلا
ألشقوتي أُخّرت بعدك للذي . يدع السمين من العيال هزيلا
فقالت له أم سلمة: يا زند، ما أصيب أحد بأمير المؤمنين غيري وغيرك ؟ قال: ولا سواي، أنت لك ولد منه تتسلين به، وأنا لا ولد لي مه. فضحكت أم سلمة ولم تكن ضحكت منذ مات أبو العباس، وقالت: يا زند، ما تدع أحداً إلا أضحكته !.
وأنشد أبو دلامة المنصور هذه القصيدة فأبكى الناس جميعاً، وغضب المنصور غضباً شديداً. وقال: لئن سمعتك بعد اليوم تنشدها لأقطعن لسانك، فقال: يا أمير المؤمنين؛ إن أبا العباس كان لي مكرماً وهو الذي جاء بي من البدو كما جاء يوسف عليه السلام بإخوته، فقل كما قال الله عز وجل " لا تثريبَ عليكم اليوم يغفرُ اللّه لكم وهو أرحمُ الراحمين " .
فسري عن المنصور وضحك، وقال: قد أقلناك فسل حاجتك ؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إن أبا العباس قد كان أمر لي بعشرة آلاف درهم وهو مريض ولم أقبضها. فقال المنصور: ومن يعلم ذلك ؟ قال: هؤلاء كلهم، وأشار إلى جماعة ممن حضر. فوثب سليمان بن مجاهد وأبو الجهم، فقالا: نحن نعلم ذلك. فقال المنصور لأبي أيوب المورياني: ادفعها إليه وسيره إلى هذا الطاغية يعني عبد الله بن علي، وكان قد خرج وأظهر الخلاف عليه بناحية الشام، وجمع جمعاً كثيراً من بقايا بني أمية وقوادهم، وأهل البأس والنجدة.
فقال أبو دلامة: يا أمير المؤمنين؛ إني أعيذك بالله أن أخرج معهم، فإني والله مشؤوم. فقال المنصور: إن يمني يغلب شؤمك، فاخرج مع الجيش. فقال: والله ما أحب يا أمير المؤمنين، ولا أرى أن تجرب؛ فإني لا أدري على أي المنزلتين تكون. فقال: دعني فلا بد من مسيرك. فقال: يا أمير المؤمنين؛ والله لأصدقنك، إني حضرت تسعة عساكر هزمتها كلها، وإن شئت بينتها لك؛ فاستفرغ المنصور ضحكاً، وأمره بالتخلف مع عيسى بن موسى بالكوفة.
وأراد موسى بن داود الخروج إلى الحج، فقال لأبي دلامة: تأهب حتى تخرج معي في هذا الوجه، وأعطاه عشرة آلاف درهم، وقال له: خلف لعيالك ما يكفيهم واخرج؛ وإنما أراد أن يأنس به في طريقه بحديثه وأشعاره ونوادره.
فلما حضر خروج موسى هرب أبو دلامة إلى سواد الكوفة، فجعل يشرب من خمرها ويتمتع في نزهها، فسأل عنه فأخبروها باستتاره، فطلبه فلم يقدر عليه، وخاف أن يفوته الحج؛ فلما يئس منه قال: دعوه إلى النار وحر سقر وأليم عذابه. فلما شارف القادسية إذا هو بأبي دلامة قد خرج من قرية يريد أخرى، فبصر به. فقال: ائتوني بعدو الله الكذاب، فر من الحق إلى الباطل، ومن الحج إلى حانات الخمارين، قيدوه وألقوه في بعض المحامل. ففعل ذلك به، فلما ولت الإبل، صاح أبو دلامة بأعلى صوته:
يأيها الناس قولوا أجمعين معي . صلّى الإله على موسى بن داود
كأنّ ديباجتي خدّيه من ذهبٍ . إذا تشرّف في أثوابه السود
أما أبوك فعين الجود نعرفه . وأنت أشبه خلق اللّه بالجود
نبّئت أنّ طريق الحجّ معطشةٌ . من الطلاء وما شربي بتصريد
واللّه ما فيّ من خيرٍ فتطلبه . في المسلمين وما ديني بمحمود
إني أعوذ بداودٍ وتربته . من أن أحجّ بكرهٍ يابن داود
فقال موسى: ألقوه عن المحمل، فعليه لعنة الله، ودعوه يذهب إلى سقر وحر نارها، فألقوه.
ومضى موسى لوجهه، فما زال أبو دلامة يتمتع بالنزه، ويشرب الخمر حتى أتلف العشرة آلاف رهم، وانصرف موسى من حجه، فدخل أبو دلامة يهنئه، فلما رآه قال: أتدري ما فاتك من الخير ؟ فقال: والله ما فاتني خير ليلاً ولا نهاراً يريد الشرب والقصف فضحك ووصله.
ودخل أبو دلامة على المهدي وعنده عيسى بن موسى، والعباس بن محمد، وناس من بني هاشم، فقال المهدي: يا أبا دلامة. قال: لبيك يا أمير المؤمنين. قال: اهج من شئت ممن ضمه هذا المجلس ولك الجائزة؛ فنظر في القوم فلم ير إلا شريفاً قريباً من المهدي، فقال: أنا أحد من في المجلس ثم أنشده:
ألا أبلغ إليك أبا دلامه . فليس من الكرام ولا كرامه
إذا لبس العمامة قلت قردٌ . وخنزيرٌ إذا نزع العمامه
فإن تك قد أصبت نعيم دنيا . فلا تفرح فقد دنت القيامه
قال: فضحك المهدي، وسر القوم، إذ لم يسود بأحد منهم، فقال له المهدي: تمن. فقال: يا أمير المؤمنين؛ تأمر لي بكلب صيد، فقال: يابن الفاعلة؛ وما تصنع به ؟ فقال: إن كانت الحاجة لي فليس لك أن تعرض فيها. فقال: صدقت أعطوه كلباً، فأعطي. فقال: يا أمير المؤمنين: لا بد لهذا الكلب من كلاب. فأمر له بغلام مملوك، فقال: يا أمير المؤمنين، أو يتهيأ لي أن أصيد راجلاً ؟ فقال: أعطوه دابةً، فقال: ومن يسوس الدابة ؟ فقال: أعطوه غلاماً سائساً. فقال: ومن ينحر الصيد ويصلحه ؟ فقال: أعطوه طباخاً. فقال: ومن يأويهم ؟ فقال: أعطوه داراً، فبكى أبو دلامة وقال: ومن يمون هؤلاء كلهم ؟ فقال: يكتب له إلى البصرة بمائة جريب عامرة، ومائتي جريب غامرة. فقال: وما الغامرة ؟ قال: التي لا نبات فيها. قال: فأنا أعطيك مائتي ألف جريب من فيافي بني أسد، فضحك وقال: ما تريد ؟ قال: بيت المال. قال: على أن أخرج المال منه. قال: فإذاً يصير غامراً، فاستفرغ ضاحكاً وقال: اذهب فقد جعلناها لك كلها عامرة. فقال: يا أمير المؤمنين؛ ائذن لي أن أقبل يدك، قال: أما هذه فدعا. فقال: والله ما تمنع عيالي شيئاً أهون عليهم من هذا، فناوله يده فقبلها. وقد تقدم له بعض هذا حكاية مع المنصور، والرواة يختلفون، وهو أدب لا يخطب أبكاره بالنسب.
وخرج أبو دلامة مع المهدي وعلي بن سليمان إلى الصيد، فعن لهم ظبي؛ فرماه المهدي فأصابه، ورمى علي بن سليمان فأصاب كلب الصيد، فضحك المهدي وقال لأبي دلامة: قل في هذا شيئاً فأنشد:
قد رمى المهديّ ظبياً . شكّ بالسهم فؤاده
وعليّ بن سليما . ن رمى كلباً فصاده
فهنيئاً لهما كـ . لّ امرىءٍ يأكل زاده
فاستفرغ المهدي ضحكاً وأمر له بجائزة.
وكان أبو العباس السفاح مولعاً بأبي دلامة، لا يفارقه ليلاً ولا نهاراً لكثرة نوادره وجودةً شعره، ومعرفته بأيام الناس وأخبارهم؛ وكان أبو دلامة يهرب منه جهده، ويأتي حانات الخمارين فيشرب مع إخوانه من الشعراء، وكان يحب مجالستهم وتهرب من مؤانستنا ؟ فقال: والله يا أمر المؤمنين؛ إن الفضل والشرف والعز والخير كله في الوقوف ببابك ولزوم خدمتك، ولكن نكره كما ذكرت، ولا مللتك قط، وإنك لتعلم ذلك، ولكنك قد اعتدت حانات الخمارين، ومجالسة أهل المجون. ثم أمره بلزوم قصره، ووكل به من يمنعه الخروج، وأمره بملازمة المسجد الذي يصلي فيه السفاح، حتى أضر به فقال:
ألم تعلموا أنّ الخليفة لزّني . بمسجده والقصر، ما لي وللقصر !
أُصلّي به الأولى مع العصر آيساً . فويلي من الأولى وويلي من العصر
ويحبسني عن مجلسٍ أستلذّه . أعلّل فيه بالسماع وبالخمر
وواللّه ما لي نيّةٌ في صلاته . ولا البرّ والإحسان والخير من أمري
وما ضرّه، واللّه يصلح أمره . لو أنّ ذنوب العالمين على ظهري
فلما بلغت الأبيات السفاح قال: دعوه وشأنه، فوالله ما أفلح قط.
وشرب أبو دلامة مع حماد عجرد، فأتى المهدي بأبي دلامة فقال: استنكهوه؛ ففعلوا فوجدوا رائحة الخمر، فأحب أن يعبث به؛ فأمر الربيع أن يحبسه في بيت الدجاج ويطين عليه الباب، ففعل؛ ثم أمر بعد يومين فأخرج ملبباً بطيلسانه، فأقيم بين يديه، فقال: يا عدو الله؛ أتشرب الخمر ؟ أما إني لأقيمن عليك الحد، ولا تأخذني فيك لومة لائم، فأنشأ أبو دلامة:
أمير المؤمنين، فدتك نفسي . علام حبستني وخرقت ساجي
أُقاد إلى السجون بغير جرمٍ . كأني بعض عمّال الخراج
ولو معهم حبست لكان خيراً . ولكني حبست مع الدّجاج
أمن صهباء ! ريح المسك فيها . ترقرق في الإناء لدى المزاج
عقار مثل عين الديك صرفٌ . كأنّ شعاعها لهب السّراج
وقد طبخت بنار اللّه حتى . لقد صارت من النّطف النّضاج
وقد كانت تحدّثني ذنوبي . بأنّي من عقابك غير ناجي
على أني وإن لاقيت شرّاً . لخيرك، بعد ذاك الشر، راجي
فأمر به فأقيم عليه الحد، ثم أمر له بأربعة آلاف درهم، فلما ولى قال الربيع: يا أمير المؤمنين، أما سمعت قوله:
وقد طبخت بنار اللّه حتى . لقد صارت من النّطف النّضاج
قال: بلى، فما يعني بذلك ؟ قال: يعني به الشمس. قال: ردوه نسأله عن ذلك. فلما حضر قال له المهدي: ما تعني بنار الله ؟ أتعني بها الشمس ؟ قال: لا يا أمير المؤمنين، ولكن: نار الله الموقدة، التي تطلع على فؤاد الربيع مؤصدة، وعلى من أخبرك أني عنيت بها الشمس مطبقة؛ فضح المهدي وجلساؤه وعفا عنه، فذهب.
وخرج الربيع إلى أصحاب المنصور وهم بالباب، وقد هرب منه سلم غلامه، فقال لهم: أمير المؤمنين يقرئكم السلام، ويقول لكم: إن غلامي سلماً قد هرب، ومحال أن يهرب أحد من غلماني إلا وقد أسند أمره إلى واحد منكم.
فقام أبو دلامة فقال: بلغ عنا أمير المؤمنين كما بلغتنا عنه. قال: نعم ! قال: أما سلم فلا نعرف خبره ولا قصته، ولكن هذا بديع يريد الهروب، فرأي أمير المؤمنين في أخذه، وكان بينه وبين بديع تباعد، فبلغ ذاك المنصور فهرب.
وماتت حمادة بنت علي بن عبد الله بن عباس، فصار المنصور إلى شفير قبرها ينتظر الجنازة، وكان أبو دلامة حاضراً فقال: ما أعددت لهذه الحفرة يا أبا دلامة ؟ فقال: عمة أمير المؤمنين يؤتى بها الساعة.
أخذت امرأة في زنا وطيف بها على جمل، فمرت ببعض المجان فقال لها: كيف خلفت الحاج ؟ قالت: بخير، وقد كانت أمك معنا، فخرجت في النفر الأول.


جمع الجواهر في الملح والنوادر
تأليف : الحُصريِ
منتدى دنيا الكراكيب ـ البوابة



    الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء 19 سبتمبر 2017 - 19:33