بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
التذكرة
فى الموت وأحوال الأخرة
الروح والقبر والبرزخ

أولآ : بحث فى أحوال الروح الإنسانى فى البرزخ
قبل أن نبينه ، نمهد له بأنه ينبغى أن يعلم أن عالم الأرواح (1) يختلف عن عالم المادة اختلافا كثيرا فى أحواله وأطواره، فالروح يسلكها الله تعالى فى البدن فى الحياة الدنيا فتوجب له حسا وحركة وعلما وإدراكا ولذة وألما ويسمى بذلك حيا. ثم تفارقه فى الوقت المقدر أزلا لقطع علائقها به فتبطل هذه الآثار، ويفتى هيكل البدن ويصير جمادا، ويسمى عند ذلك ميتا ولكن الروح تبقى فى البرزخ { ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون } المؤمنون 100 ،(2) وهو ما بين الحياة الدنيا والحياة الآخرة من يوم الموت إلى يوم البعث (3) والنشور حية مدركة تسمع وتبصر وتسبح فى ملك الله حيث أراد وقدر. وتتصل بالأرواح الأخرى وتناجيها وتأنس بها سواء أكانت أرواح أحياء أو أرواح أموات. وتشعر بالنعيم والعذاب واللذة والألم بحسب حالتها، وما كان لها من عمل فى الحياة الدنيا. وترد أفنية القبور (4) وتأوى إلى المنازل وهى فى كل ذلك لطيفة لا يحدها مكان ولا يحصرها حيز ولا ترى بالعيون والآلات كما ترى الماديات. وقد يأذن الله لها وهى فى عالم البرزخ أن تتصل بالبدن (5) كله أو بأجزائه الأصلية اتصالا برزخيا خاصا لا كالاتصال الدنيوى، يشبه اتصال أشعة الشمس وأضواء القمر بالعوالم الأرضية وهو اتصال إشراق وإمداد فيشعر البدن كذلك بالنعيم والعذاب ويسمع ويجيب بواسطة الروح. وقد لا يأذن الله لها بالاتصال بالبدن فتشعر الروح بذلك كله شعورا قويا، ويستمر ذلك الشأن لها إلى ما شاء الله حتى يوم البعث والنشور. هذا هو مذهب جمهور أهل السنة وبه وردت الأحاديث والآثار.

ثانيآ : أحوال الروح فى البرزخ.
1- تبقى الروح فى البرزخ بعد مفارقتها الجسد حية مدركة تسمع وتبصر، وتشعر بالنعيم والعذاب، وترد أفنية القبور، وتأوى إلى المنازل غير محددة بمكان ولا محصورة فى حيز، ولا ترى كما ترى الماديات.
2- قد يأذن الله لها أن تتصل بالبدن كله أو بأجزائه الأصلية اتصالا برزخيا خاصا، كاتصال أشعة الشمس بالعوالم الأرضية اتصال إشراق وإمداد وقد لا يأذن لها بذلك وهذا هو مذهب أهل السنة، وبه وردت الأحاديث والآثار.
3- تتصل بالأرواح الأخرى وتناجيها وتأنس بها، سواء أكانت أرواح أحياء أم أرواح أموات.
4- كل ما يقال أو يؤثر عن العلماء فى معنى الروح من قبيل ذكر الأوصاف والأحوال التى هى من باب الآثار والأحكام، وليست من قبيل الكشف عن حقيقتها الذاتية، لأن ذلك مما استأثر الله بعلمه فلا تحيط به عقول البشر.

ثالثآ : الحياة فى القبر والسؤال فيه.
1- حياة القبر ثابتة بأحاديث كثيرة بلغت حد التواتر، دلت عليها وعلى سؤال الميت فى قبره ونعيمه أو تعذيبه فيه.
2- لا بعد ولا نكير فى كون الميت يعذب برد الروح إليه عارية تعذيبا لا يقدر البشر على رؤيته.
3- يسمع الموتى ويجيبون ويردون السلام، لحديث القليب ولحديث المرأة التى كانت تقم المسجد (تكنسه) فقد ثبت منه ردها على الرسول صلى الله عليه وسلم ، بقولها : ( قم المسجد ) إجابة على سؤاله : أى الأعمال وجدت أفضل ولحديث ابن عباس ما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه فى الدنيا فيسلم عليه إلا عرفه ورد عليه.
4- يسأل الميت ملكان ويجيبهما، ولا عبرة بمن ينكر ذلك.
5- رأى ابن تيمية وتلميذه ابن القيم فى عذاب الروح أو نعيمها وهل هو خاص بها أم يشمل بدن الميت أيضا.
6- الحياة فى القبر والسؤال فيه ، قد ورد فيها حديث سؤال القبر (6) ونعيمه وعذابه، وأن المعذب والمنعم فيه الروح والبدن معا، وحديث سماع الموتى وإجابتهم وحديث السلام على من سلم عليهم (7). واستقر رأى سلف الأمة على ذلك - ولا عبرة بمن ينكره، فإن شأن الأرواح يدق ويسمو عن مدارك المحجوبين بحجب المادة. قال شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية (ومذهب سلف الأمة وأئمتها أن العذاب أو النعيم لروح الميت وبدنه، وأن الروح تبقى بعد مفارقة البدن منعمة أو معذبة، وقد تتصل به فيحصل له معها النعيم أو العذاب) وقال فى موضع آخر (واستفاضت الآثار بمعرفة الميت أهله وأحوال أهله وأصحابه فى الدنيا وأن ذلك يعرض عليه. وجاء فى الآثار أنه يرى أيضا وأنه يدرى بما يفعل عنده فيسر بما كان حسنا ويألم بما كان قبيحا ( 8 ) وتجتمع أرواح الموتى فينزل الأعلى إلى الأدنى لا العكس. وقد أوضح ذلك تلميذه شيخ الإسلام ابن القيم فى كتاب (9) الروح واستوعب هذا البحث وأفاض فى بيانه والاستدلال عليه الأستاذ الوالد رحمه الله فى كتاب المطالب القدسية فى أحكام الروح وآثارها الكونية (10).

الهوامش :
(1) الروح الإنسانى جسم نورانى لطيف مبدع من غير مادة سار فى جوهر الأعضاء سريانا يشبه سريان الماء فى النبات أو النار فى الفحم لا يتبدل ولا يتحلل وهو الحامل لصفات الكمال من العقل والفهم. وهو الإنسان فى الحقيقة والمشار إليه بلفظ نادون الهيكل المخصوص القابل للزوال. وإلى هذا ذهب مالك وجمهور المتكلمين والصوفية والرازى وإمام الحرمين واختاره ابن القيم وقال أنه هو الذى دل عليه الكتاب والسنة وانعقد عليه اجماع الصحابة وأقام عليه زهاء مائة دليل فى كتاب الروح - وهناك مذاهب أخرى فى معنى الروح ولك م يؤثر عن العلماء فى ذلك إنما هو من قبيل ذكر الأوصاف والأحوال التى هى من باب الآثار والأحكام لا من قبيل الكشف عن الحقيقة الذاتية لأنها مما استأثر الله بعلمه فلا تحيط به عقول البشر ولذلك لما سأل اليهود النبى صلى الله عليه وسلم عن حقيقة الروح وكنهه امتحانا له وتعجيزا لم يجبهم بها بل أجيبوا بقوله تعالى { قل الروح من أمر ربى } أى العلم بكنهه من شأنه تعالى وحده (المطالب القدسية وتفسير العلامة شهاب الدين السيد محمود الألوسى البغدادى المتوفى سنة 1270 لقوله تعالى فى سورة الإسراء { ويسألونك عن الروح } الإسراء 85 ، والروح لغة يذكر ويؤنث.
(2) قال تعالى فى سورة المؤمنون ( ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون ) الآية 100 سورة المؤمنون.
(3) فى الإحياء لحجة الإسلام أبى حامد الغزالى المتوفى بطوسى سنة 505 الحق الذى تنطق به الآيات والأخبار أن الموتى انتقال وتغير حال وأن الروح باقية بعد مفارقة الجسد منعمة أو معذبة ومعنى مفارقتها له انقطاع تعرفها عنه وكل ما هو وصف للروح بنفسها من إدراك وحزن وغم ونعيم، وفرح يبقى لها بعد مفارقتها للجسد وماهو وصف لها بواسطة الأعضاء كبطش باليد وسمع بالأذن وبصر بالعين يتعطل بموته إلى أن تعاد الروح إلى الجسد. أما إدراكها المسموعات والمبصرات من غير آلة كإدراك الملائكة والجن فهو من جملة معارفها الثابتة لها بنفسها كما هو ظاهر.
(4) فى زاد المعاد لابن المقيم أن الموتى تدنوا أرواحهم من قبورهم وتوافيها فى يوم الجمعة فيعرفون زوارهم ومن يمر بهم ويسلم عليهم ويلقاهم أكثر من معرفتهم بهم فى غيره من الأيام فهو يوم تلتقى فيه الأحياء والأموات وروى أن الموتى يعلمون بزوارهم يوم الجمعة ويوما قبله ويوما بعده.
(5) ذهب أبو محمد بن حزم الأندلسى المتوفى سنة 456 فى كتاب المحلى إلى أنه لا مساءلة فى القبر إلا للروح وأنها لا تعود إلى الجسم بعد مفارقته إلا يوم القيامة ورد عليه العلامة ابن القيم فى كتاب الروح بما دحض حجته
(6) عن عثمان رضى الله عنه قال كان النبى صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل رواه أبو داود وأخرجه البزار والحاكم وصححه وفيه دليل على ثبوت حياة القبر وقد وردت بها أحاديث كثيرة بلغت فى دلاتها عليها حد التواتر ودليل على سؤال القبر. وقد وردت به أيضا أحاديث صحيحة فى الصحيحين وغيرهما وعن النبى عليه السلام أن قوله { يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت } إبراهيم 27 ، نزل فى عذاب القبر وكان من دعائه عليه السلام لمن صلى عليه صلاة الجنازة قوله (وأعذه من عذاب القبر) وقوله اللهم وقه من فتنة القبر ومن عذاب جهنم اللهم ثبت عند المسألة منطقه ولا تبتله فى قبره وهل السؤال فى القبر مختص بهذه الأمة أو عام لها ولغيرها رجح الأول الحكيم الترمذى والثانى ابن القيم ومما ورد فى ذلك حديث البراء من عازب. وهو حديث متصل الإسناد مشهور رواه جماعة عنه وأخرجه أحمد وأبو داود وجمع طرقه الدار قطنى فى مصنف مفرد. وفى الاعتصام للإمام أبى إسحاق الشاطبى المتوفى سنة 790 هجرية أنه لا بعد ولا نكير فى كون الميت يعذب برد الروح إليه عارية ثم تعذيبه على وجه لا يقدر البشر على رؤيته.
(7) فى الصحيحين عن أبى طلحة قال لما كان يوم بدر وظهر الرسول على مشركى قريش أمر ببضعة وعشرين من صناديدهم فألقوا فى القليب ونادى الرسول بعضهم بأسمائهم أليس قد وجدتم ما وعد ربكم حقا فإنى وجدت ما وعد ربى حقا فقال عمر يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح لها فقال والذى نفسى بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم. وأخرج أبو الشيخ حديثا قال فيه كانت امرأة بالمدينة تقم المسجد (تكنسه) فماتت فلم يعلم بها النبى صلى الله عليه وسلم فمر على قبرها وسأل عنه فأخبروه أنه قبر أم محجن التى كانت تقم المسجد. فصلى عليه وقال أى العمل وجدت أفضل قالوا يارسول الله أتسمع قال ما أنتم بأسمع منها وذكر النبى صلى الله عليه وسلم أنها أجابته قم المسجد وأخرج ابن عبد البر بإسناد صحيح عن ابن عباس مرفوعا ما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه فى الدنيا فيسلم عليه إلا عرفه ورد عليه. وفى الصحيحين عن أنس عن النبى صلى الله عليه وسلم واللفظ للبخارى أن العبد إذا وضع فى قبره وتولى عنه أصحابه حتى أنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فأقعداه فيقولان ما كنت تقول فى هذا الرجل محمد فيقول أشهد أنه عبد الله ورسوله فيقال انظر إلى مقعدك من النار أبدلك الله به مقعدا فى الجنة. قال النبى فيراهما جميعا وأما الكافر أو المنافق فيقول لا أدرى كنت أقول ما يقول الناس فيقال له لا دريت ولا تليت يضرب بمطرقة من حديد ضربة بين أذنيه فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين أ انتهى. فالموتى يسمعون ويجيبون فى قبورهم وإليه ذهب كثير من أهل العلم - واختاره الطبرى وابن قتيبة. وذهب آخرون إلى عدم سماع الموتى لقوله تعالى { إنك لا تسمع الموتى } النمل 80 ، وقوله { وما أنت بمسمع من فى القبور } فاطر 22 ، والجواب أن السماع المنفى عنهما هو سماع الانتفاع والقبول لا مطلق السماع بدليل المقابلة فى قوله تعالى { إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا } النمل 81 ، أى سماع انتفاع وقبول تترتب عليه آثاره، وهذا لا ينافى السماع المثبت للموتى فى الحياة البرزخية قال الألوسى والحق أن الموتى يسمعون فى الجملة بأن يخلق الله فى بعض أجزاء الميت قوة يسمع بها متى شاء الله السلام وغيره. أو بأن يكون السماع للروح ولا يمتنع أن تسمع بل أن تحس وتدرك بعد مفارقتها للبدن بدون وساطة قوى فيه وحيث كان لها على الصحيح تعلق لا يعلم كنهه ولا كيفيته إلا الله تعالى بالبدن كله أو بعضه بعد الموت وهو غير التعلق الدنيوى به أجرى الله سبحانه عادته بتمكينها من السمع وخلقه لها عند زيارة القبر وعند حمل البدن إليه وعند الغسل. وقال الشاطبى فى الاعتصام إنه لا يصح تحكيم العادة الدنيوية المشاهدة فى مثل هذا وتحكيمها على الإطلاق فى كل شأن غير صحيح لقصورها. وهذه شئون لا تحيط بكنهها العقول ولكنها فى متناول القدرة الإلهية الشاملة { إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون } يس 82 ،
( 8 ) انظر الإحياء وعمدة القارى شرح صحيح البخارى للإمام الحافظ قاضى القضاة بدر الدين العينى الحنفى المتوفى سنة 855 هجرية.
(9) هو الإمام شمس الدين أبو عبد الله محمد بن بكر الدمشقى الحنبلى المفسر النحوى الأصولى المتكلم الشهير بابن قيم الجوزية ولد سنة 691 ولازم شيخة تفى الدين ابن تيمية وتوفى فى رجب سنة751 ومن مؤلفاته كتاب الروح وهو كتاب سلفى قيم وكتاب زاد المعاد فى هدى خير العباد.
(10) هو العلامة الأصولى المنطقى البارع فى المعقول شيخ الشيوخ بالجامع الأزهر الشيخ محمد حسنين مخلوف العدوى المالكى الأزهرى ولد ببنى عدى فى 15 رمضان سنة 1277 وتوفى بالقاهرة فى سنة 1355.
11 أبريل سنة 1936) وكتابه طبع فى سنة 1350 بمطبعة السيد مصطفى البابى الحلبى بمصر.

د. حسنين محمد مخلوف مفتى الديار المصرية.
الجمعة 13 من شوال سنة 1366 هـ