بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
التذكرة
فى الموت وأحوال الأخرة
اعمال الطاعات التى تصل الى الميت

هناك أحاديث صحاح تدل على انتفاع الميت بسائر القرب لأن الدعاء للميت والاستغفار والحج والصوم عبادات بدنية (1) وقد أوصل الله ثوابها إلى الميت فكذلك ماسواها مع ما تقدم من حديث ثواب القراءة. وقد ورد حديث فى ثواب من قرأ يس وتخفيف الله تعالى عن أهل المقابر بقراءتها (2).

الدعاء للميت والتصدق عنه
وقد دعا النبى صلى الله عليه وسلم لكل ميت صلى عليه (3) وسأله رجل فقال يارسول الله إن أمى ماتت أفينفعها إن تصدقت عنها قال نعم (4).

الحج عن العاجز وعن الميت
وجاءت امرأة إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقالت يارسول الله إن فريضة الله فى الحج أدركت أبى شيخا كبيرا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أفأحج عنه قال أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيته قالت نعم. قال فدين الله أحق أن يقضى (5).

الصوم عن الميت
وسأله رجل عن أمة التى ماتت وعليها صوم شهر. أفأصوم عنها. قال نعم (6).

قراءة القرآن للموتى عند المالكية
واختلف فى قراءة القرآن للميت، فأصل المذهب كراهتها، وذهب المتأخرون إلى جوازها، وهو الذى جرى عليه العمل، فيصل ثوابها إلى الميت، ونقل ابن فرحون أنه الراجح، كما ذكره ابن أبى زيد فى الرسالة وقال الإمام ابن رشد محل الخلاف مالم تخرج القراءة مخرج الدعاء بأن يقول قبل قراءته اللهم اجعل ثواب ما أقرؤه لفلان، فإذا خرجت مخرج الدعاء كان الثواب لفلان قولا واحدا وجاز من غير خلاف انتهى. وعلى هذا ينبغى أن يقول القارىء قبل قراءته ذلك ليصل ثواب القراءة إلى الميت باتفاق أهل المذهب.

حكم أخذ الأجرة على قراءة القرآن
غير أنه مما يلزم التنبيه له إن وصول ثواب تلاوة القرآن إلى الميت مقيد بما إذا كانت القراءة تطوعا بدون أجر كما ذكره ابن القيم (7) وأئمة الحنفية (8) . سواء كانت القراءة من ولد الميت أم من غيره (9) وأما الاستئجار على تلاوة القرآن فغير جائز عند الحنفية وأجازه المالكية (10) وذكر ابن فرحون أن جواز أخذ الأجرة على قراءة القرآن مبنى على وصول ثواب القراءة لمن قرىء لأجله كالميت وهو الراجح عندهم كما سلف.

حكم أخذ الأجرة على قراءة القرآن وتعلمه.
1- الاستئجار على تلاوة القرآن أو تعليمه غير جائز عند الحنفية وكثير من السلف. فلا تجب به أجرة ولا يجوز أخذها ولا إعطاؤها.
2- استثناء متأخرى الحنفية جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن كان خشية ضياعه، وترغيبا فى حفظه وكان ذلك للضرورة وعليه الفتوى لذلك.
3- قراءة القرآن بالأجر لا ثواب فيها للقارئ، وآخذ الأجرة ومعطيها آثمان وأجازها المالكية فى قول. تأسيسا على وصول ثوابها لمن قرئت لأجله كالميت.
4- الأفضلية بين القراءة بأجر على رأى المالكية فى قول وبين الصدقة بالنقود تختلف باختلاف مقدار الصدقة ونفعها للفقير ومال المتصدق واختلاف القراءة وما يدفع للقراء من أجر.

الهوامش :
(1) ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الحج عبادة تؤدى بالمال والبدن معا وقد عده المصنف فى العبادات البدنية فيحتمل أن يكون ذلك جريا على ما ذهب إليه بعضهم ومنهم قاضيخان من أئمة الحنفية من أنه عبادة بدنية
كالصلاة والصوم. والمال شرط الوجوب فقط. ويحتمل وهو الأقرب أن يكون المراد بالبدنية هنا ما يشمل المحضة كالدعاء والاستغفار والصوم وكذا قراءة القرآن والذكر وغير المحضة كالحج. فإنه مالى من حيث أشتراط الاستطاعة ووجوب بارتكاب محظوراته وبدنى من حيث الوقوف والطواف والسعى. والقسم الثالث عبادة مالية محضة كالزكاة والكفارة والصدقة. وقد نازع ابن حزم فى الصوم فذهب إلى أنه عبادة مركبة كالحج من حيث الإمساك والإطعام فى جبر مانقص منه.
(2) يشير ابن قدامة بهذا إلى قوله قبل هذا الفصل (وروى عن النبى صلى الله عليه وسلم) أنه قال من دخل المقابر فقرأ سورة يس خفف عنهم يومئذ وكن له بعدد من فيها حسنات) وروى عنه عليه السلام (من زار قبر والديه فقرأ عنده أو عندهما يس غفر له ) وإلى ماذكره فى باب ما يفعل عند المحتضر من قول أحمد (ويقرءون عند الميت إذا احتضر ليخفف عنه بالقراءة يقرأ يس وأمر بقراءة فاتحة الكتاب ) وفى الشرح الكبير فى هذا الباب (ويقرأ عنده سورة يس لما روى معقل بن يسار قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (اقرءوا يس على موتاكم) رواه أبو داود. وروى أحمد (يس قلب القرآن. ولا يقرؤها رجل يريد الله والدار الآخرة إلا غفر له واقرءوها على مرضاكم) وحديث معقل كما فى نيل الأوطار رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والنسائى وابن حبان وصححه وأعله القطان وضعف الدار قطنى وحمله ابن حبان على من حضرته الوفاة مجازا باعتبار ما يؤول إليه لا على الميت حقيقة ورده المحب ابن حبان على من حضرته الوفاة مجازا باعتبار ما يؤول إليه لا على الميت حقيقة ورده الطبرى وقال الشوكانى إن للفظ نص فى الميت وتناوله للحى المحتضر مجاز فلايصار إليه لا بقرينة أ انتهى. وهذا الحديث مع ضعف إسناده يفيد بإطلاقه ومع إرادة المعنى الحقيقى للفظ الموتى استحباب قراءة يس على مطلقا سواء أكانت القراءة عن المقبرة أو بعيدا عنها. والحديثان الآخران يفيدان جواز قراءتها عند المقبرة وفى شرح الجامع الصغير للعزيزى وحاشيته أن إسناده ضعيف وأن يس تقرا على المحتضر وعلى الميت جمعا بين القولين وأن تخصيصا بالقراءة كما قال ابن القيم لما فيها من التوحيد والمعاد والبشرى بالجنة للمؤمنين. ولتحمل للميت بركتها ليخفف عنه ما يجده. وقد ثبت فى الصحيح اختصاص بعض آيات القرآن وسوره بفضائل كما فى الفاتحة وآية الكرسى وآخر البقرة والإخلاص وغيرها ( وبعد) فإذا جازت قراءة يس عند المريض لتخفيف وطأة المرضى عنه وعند الحضر لتخفيف سكره الموت عنه فلم لا يجوز قراءتها على من مات للتخفيف عنه
أيضا. وأى فرق بين هذه الأحوال بعد أن ثبت بالسنة المستفيضة أن الروح حية باقية تشعر بالذة والألم ولم يقل أحدبان الحديث موضوع وغاية ماقيل فيه أنه ضعيف الإسناد وهو يعمل به فى مثل هذا المقام. ونوط التخفيف بقراءة يس إنما هو من سعة الرحمة وعظيم الفضل الإلهى كما نيط الشفاء بقراءة الفاتحة فى حديث الرقية المشهور ، وقد تكون الحاجة من دار العمل أشد وأعظم ولا مانع من استعمال لفظ موتى فى المحتضر والميت حقيقة جمعا بين الحقيقة والمجاز وهو جائز عند الشافعية أو فى معنى يعمهما وهو من انقطع الرجاء فى حياته أو نحو ذلك فيكون من باب عموم المجاز وهو جائز فى الاستعمال باتفاق الأصوليين. ثم أعلم أن القراءة مطلقا إنما تجوز عند الحنفية وعند ابن تيمية وابن القيم إذا كانت تبرعا بدون أجر والله أعلم.
(3) فى الدعاء أمران أحدهما ابتهال الداعى إلى الله تعالى وتوجهه إليه والثانى طلب حصول أمر مرغوب فيه للمدعو له. والأول خاص بالداعى وله ثوابه. والثانى خاص بالمدعو له - ففى نحو اللهم اغفر له وارحمه يطلب الداعى من الله تعالى الغفران والرحمة له ويرجو حصوله له ونفعه به- وقد قال عليه السلام فيما رواه أبو داود. إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء والأمر هنا للوجوب - وكما شرع الدعاء للموتى فى صلاة الجنازة شرع الدعاء لهم عند زياره القبور وكان عليه السلام يعلم أصحابه ما يدعون به لهم إذا خرجوا لزيارتها ويطلب منهم الاستغفار لهم. وفى زاد المعاد. وكان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا زار قبور أصحابه يزورهما للدعاء لهم والترحم عليهم والاستغفار لهم ويأمر من معه بالسلام عليهم والدعاء لهم وكان يتعاهد أصحابه بزيارة قبورهم والسلام عليهم والدعاء لهم كما يتعاهد الحى صاحبه فى دار الدنيا - وفى شرح المنهج أن الدعاء متفق عليه أنه ينفع الميت والحى القريب والبعيد بوصيته وغيرها وفيه أحاديث كثيرة بل كان أفضل الدعاء أن يدعو المؤمن لأخيه بظهر الغيب - وحكى الإمام محيى الدين أبو زكريا النووى الشافعى المتوفى سنة 676 فى شرحه على صحيح الإمام مسلم الإجماع على وصول الدعاء إلى الميت.
(4) عن عائشة رضى الله عنها أن رجلا قال للنبى صلى الله عليه وسلم أن أمى أفلتت (ماتت فجأة) وأراها لو تكلمت تصدقت فهل لها أجر إن تصدقت عنها قال نعم (متفق عليه) وعن ابن عباس رضى الله عنهما أن رجلا قال يارسول الله إن أمى توفيت أينفعها إن تصدقت عنها قال نعم قال فإن لى مخرفا (بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الراء - بستانا) فإنى أشهدك أنى قد تصدقت به عنها (رواه البخارى والترمذى وأبو داود والنسائى) وفى بدائع الصنائع للإمام الكاسانى الحنفى المتوفى سنة 587 أن سعد ابن أبى وقاص سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يارسول الله إن أمى تحب الصدقة أفأتصدق عنها فقال النبى صلى الله عليه وسلم تصدق. قصد الابن أن ينفع أمه بوصول ثواب هذه الصدقة إليها - وفى هذه الأحاديث دليل على أن صدقة الولد تنفع الوالدين بعد موتهما بدون وصية منهما ويصل ثوابها إليهما. وحكى النووى فى شرح مسلم الإحماع على أن الصدقة تقع عن الميت ويصل ثوابها إليه من غير تقييد يكونها من الولد (نيل الأوطار).
(5) رواه أحمد والنسائى بمعناه.وعن ابن عباس قال جاءت امرأة من خثعم عام حجة الوداع فقالت يارسول الله إن فريضة الله على عبادة فى الحج أدركت أبى شيخا كبيرا لا يستطيع أن يستوى على الراحلة. فهل يقضى عنه أن أحج عنه. قال نعم (رواه الجماعة) وفى الحديثين دليل على جواز الحج من الولد نيابة عن والده إذا كان ميئوسا من قدرته على الحج المفروض وقوله عليه السلام نعم معناه حجى عنه أى قضاء عنه فيقيد أن الحج يقع عن المحجوج عنه وهو ظاهر الرواية عند الحنفية ومختار السرخسى وجمع من المحققين. وقال فى نيل الأوطار ولا يختص ذلك بالخثعمية لأن الأصل عدم الخصوص. ولا بالابن خلافا لمن ادعى أنه خاص به. قال فى الفتح ولا يخفى أن دعوى لاختصاص به جمود. وعن ابن عباس أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقالت إن أمى نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت أفاحج عنها قال نعم. حجى عنها أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته. اقضوا الله. فالله أحق بالوفاء. (رواه البخارى والنسائى بمعناه) وفى رواية لأحمد والبخارى بمثل ذلك وفيها قال. جاء رجل إلى النبى فقال إن أختى نزرت أن تحج -(وفى قوله نعم ) دليل على إجزاء الحج عن الميت من الولد من غيره فيما وجب عليه بنذر أو غيره بدليل قوله اقضوا الله فالله أحق بالوفاء (وفى قوله أكنت قاضيته) دليل على أن مات وعليه حج وجب على وليه أن يجهز من يحج عنه من رأس ماله كما أن عليه قضاء ديونه منه ويلحق بالحج كل حق ثبت فى ذمته لله تعالى من نذر أو كفارة أو زكاة أو غير ذلك وفى الرواية الثانية دليل على صحة الحج عن الميت من غير الوارث لعدم استفصاله صلى الله عليه وسلم للأخ هل هو وراث أولا وترك الاستفصال منه صلى الله عليه وسلم فى مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم فى المقال كما تقرر فى الأصول - وعن ابن عباس قال أتى النبى صلى الله عليه وسلم رجل فقال إن أبى مات وعليه حجة الإسلام أفأحج عنه قال أرأيت لو أن أباك ترك دينا عليه أقضيته عنه قال نعم. قال فاحجج عن أبيك رواه الدار قطنى وفيه دليل على أنه يجوز للابن أن يحج عن أبيه حجة الإسلام بعد موته وإن لم يقع منه وصية ولا نذر. ويدل على جواز الحج عن الميت من غير الولد حديث شبرمة وهو ماروى عن ابن عباس أن النبى صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يقول لبيك عن شبرمة. فقال من شبرمة. قال أخ لى أو قريب لى. قال حججت عن نفسك. قال لا. قال حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة (رواه أبو داود وابن ماجة) قال النووى فى شرح مسلم ويؤخذ من حديث الخثعمية جواز الحج عن العاجز بموت أو عضب وهو الزمانة والهرم ونحوهما. وهو مذهب الجمهور سواء أكان العجز عن فرض أم نذر وسواء أوصى به أم لا ويجزىء عنه. وقال مالك والليث. لا يحج أحد عن أحد إلا عن ميت لم يحج حجة الإسلام وحكى عن النخعى وبعض السلف أنه لا يصح الحج عن ميت ولا غيره وهى رواية عن مالك وإن أوصى به. ولعل وجه هذا القول ماذكره القرطبى من أن ظاهر حديث الخثعمية مخالف للقرآن أى لقوله تعالى { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } النجم 39 ، فيرجح ظاهر القرآن لتواتره. قال الشوكانى ولكنه يقال هو عموم مخصوص بأحاديث الباب ولا تعارض بين عام وخاص انتهى - والحق ما ذهب إليه الجهور لهذه الأحاديث الصحيحة وهو صريح فى انتفاع الميت به وفراغ ذمته مما شغلها ووصول ثوابه إليه. والله أعلم
(6) عن ابن عباس قال جاء رجل إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقال يارسول الله إن أمى ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها. فقال لو كان على أمك دين أكنت قاضيه عنها قال نعم. قال فدين الله أحق أن يقضى(رواه مسلم) وعنه قال جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يارسول الله إن أمى ماتت وعليها صوم نذر أفأصوم عنها فقال أرأيت لو كان على أمك دين فقضيته أكان يؤدى ذلك عنها قالت نعم. قال فصومى عن أمك (أخرجه الشيخان). وعن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من مات وعليه صيام صام عنه وليه(متفق عليه) وروى نحوه عن ابن عباس رضى الله عنهما وهو تقرير لقاعدة عامة فيمن مات وعليه صوم واجب بأى سبب من أسباب الوجوب وكذلك حديث ابن عباس الأول ويشير إلى ذلك قوله صلى الله عليه وسلم فيه (فدين الله أحق أن يقضى). وأما حديث ابن عباس الثانى فهو تنصيص على بعض أفراد العام وهو صوم النذر فلايصلح مخصصا ولا مقيدا لحديث عائشة فاستفيد من هذه الأحاديث أن الولى يصوم عمن مات وعليه صوم واجب اى صوم كان نذرا أو غيره، وجوبا كما قال ابن حزم أو استحبابا كما ذهب إليه الجمهور ومنهم الشافعى فى القديم وصححة النووى. وقال إنه المختار من قول الشافعى وقال به من السلف طاووس والحسن والزهرى وقتادة. وأبو ثور وإليه ذهب أصحاب الحديث وجماعة من محدثى الشافعية والأوزاعى. وقال البيهقى هذه السنة ثابتة لا أعلم خلافا بين أصحاب الحديث فى صحتها وذهب مالك أبو حنيفة والشافعى فى قوله الجديد إلى أن الولى لا يصوم عن الميت فى النذر ولا فى غيره بل يطعم عنه لكل يوم مسكينا لما أخرجه النسائى عن ابن عباس موقوفا أنه قال لا يصوم أحد عن أحد ولا يصلى أحد عن أحد ولما أخرجه عبد الرازق عن عائشة موقوفا أنها قالت لا تصوموا عن موتاكم وأطعموا عنهم ولأن الصوم عبادة بدنية لا ينوب فيها أحد عن أحد كالصلاة. وفتيا ابن عباس وعائشة بهذا - وهو خلاف مارويناه مرفوعا من صوم الولى - بمنزلة رواية الناسخ ورده الشوكانى بأنى الحق اعتبار ما رواه الصحابى دون مارآه. وماروى مرفوعا فى الباب يرد ذلك كله. وذهب أحمد والليث وأبو عبيد إلى أن الولى لا يصوم عن الميت إلا فى النذر تمسكا بأن حديث عائشة مطلق وحديث ابن عباس الثانى مقيد فيحمل الملطق على المقيد ويكون المراد من قوله فى الحديث وعليه صيام أى صيام نذر وقد علمت الجواب عن ذلك مما سلف. أما فى غير النذر فالواجب أن يطعم عنه كل يوم مسكينا لما روى عن ابن عمر موقوفا من مات وعليه صيام شهر فليطعم عنه مكان كل يوم مسكينا وعن عائشة قالت يطعم عنه فى قضاء رمضان ولا يصام عنه وسئل فلطعم عنه مكان كل يوم مسكينا وعن عائشة قالت يطعم عنه فى قضاء رمضان ولا يصام عنه وسئل ابن عباس عن رجل مات وعليه نذر صوم شهر وعليه صيام رمضان فقال أما رمضان فليطعم عنه وأما النذر فيصام عنه. وفرق فى المغنى بين النذر وغيره وقال تفريعا عليه إن الصوم (أى فى النذر) ليس بواجب على الولى لأن النبى شبهه بالدين ولا يجب على الولى قضاء دين الميت وإنما يتعلق بتركته إن كان له تركة وإلا فلا شىء على وارثه. ولكن يستحب أن يقضى عنه لتفريغ ذمته وفك رهانه. فكذلك ههنا ولا يختص ذلك بالولى بل كل من صام عنه قضى ذلك عنه وأجزاء لأنه تبرع. فأشبه قضاء الدين عنه انتهى - وقد اختلف الفقهاء فى المراد بالولى فاختار النووى فى شرح مسلم أنه القريب وارثا أو غير وارث وقيل هو الوارث خاصة وقيل العصبة خاصة. وذهب الحنفية إلى أنه هو المتصرف فى المال فيشمل الوصى ولو أجنبيا. كما ذكره ابن عابدين فى الصوم كما اختلفوا فى أنه هل يختص الصوم بالولى أولا فقيل يختص به ورجحه الشوكانى لأن الأصل عدم النيابة فى العبادة البدنية فى الحياة فكذلك بعد الموت إلا ما ورد فيه النص فيقتصر عليه ويبقى الباقى على الأصل. وصححه النووى وقال إنه لو صام عن الميت أجنبى فإن كان بإذن الولى صح وإلا فلا. وزاد الإمام القسطلانى الشافعى المتوفى 923 أنه يصح الصوم عن الميت من الأجنبى إذا أذن له الميت أو الولى بأجرة أو بدونها انتهى. وقيل لا يختص به بل يقبل من المتبرع ولو أجنبيا وهو صريح عبارة المغنى وظاهر صنيع البخارى وبه جزم أبو الطيب الطبرى - وقال الحنفية إن الولى يطعم عن الميت من ثلث ماله وجويا إن أوصى وجواز إن لم يوص. فإن تبرع به جاز معلقا على مشيئة الله تعالى وكان ثوابه للميت والصلاة كالصوم فى استحسان المشايخ ولا يجوز أن يصوم الولى أو يصلى عن الميت ليكون قضاء عما وجب عليه لما قاله ابن عباس لا يصوم أحد عن أحد ولا يصلى أحد ولكن للولى وغيره أن يجعل ثواب صومه أو صلاته للميت تبرعا بمثابة الصدقة لما صرح به الهداية من أن للإنسان أن يجعل ثواب عمله لغيره صلاة أو صوما أو صدقة أو حجا أو غيره. وروى الدار قطنى أن رجلا سأل النبى صلى الله عليه وسلم فقال كان لى أبوان أبرهما حال حياتهما فكيف لى ببرهما بعد موتهما فقال النبى صلى الله عليه وسلم إن من البر بعد الموت أن تصلى لهما مع صلاتك وتصوم لهما مع صيامك. وفى البدائع أن قوله عليه السلام لا يصوم أحد عن أحد ولا يصلى أحد عن أحد إنما هو فى حق الخروج من العهدة لا فى حق الثواب فإن من صام أو صلى أو تصدق وجعل ثوابه لغيره من الأموات والأحياء جاز ويصل ثوابها إليهم عند أهل السنة والجماعة. وعليه عمل المسلمين من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا من زيارة القبور وقراءة القرآن عليها والتكفين والصدقات والصوم والصلاة وجعل ثوابها للأموات - ولا مانع من ذلك عقلا لأن إعطاء الثواب من الله إفضال منه لا استحقاق عليه فله إن يتفضل على من عمل لأجله بجعل الثواب له كما له أن يتفضل بإعطاء الثواب من غير عمل رأسا. وفى البحر الرائق للعلامة ابن نجيم الحنفى المتوفى سنة 969 على متن الكنز للإمام النسفى والظاهر أنه لا فرق بين أن ينوى عند الفعل الغير أو يفعله لنفسه ثم بعد ذلك يجعل ثوابه لغيره لإطلاق كلامهم. ومن هذا يظهر انتفاع الميت بحج غيره عنه ووصول ثوابه إليه وبإطعام غيره عنه لأن فى الإطعام برا بالمساكين وسدا لحاجتهم ولذلك ثواب عظيم وما عمل ذلك إلا لأجل الميت فيصل إليه ثوابه لتسببه فيه فى الحقيقة.
(7) وهو رأى ابن تيمية.
(8) ذهب الحنفية إلى عدم جواز الاستئجار على الطاعات كتعليم القرآن وتلاوته والفقه والأذان والإقامة والوعظ والحج والعمرة والغزو والصلاة والصيام وغير ذلك مما يعد فى نفسه طاعة بمعنى أنه لا تجب الأجرة ولا يجوز أخذها ولا إعطاؤها والإجارة باطلة وبه قال الضحاك وعطاء والزهرى والحسن البصرى وابن سيرين وطاووس والشعبى والنخعى واستثنى المتأخرون منهم تعليم القرآن وأخذ الأجرة عليه تحرزا من ضياعه وترغيبا فى حفظه وعليه الفتوى وبعضهم استثنى أيضا الأذان والإقامة وتعليم الفقه والوعظ للضرورة وبقى أخذ الأجرة عليها كما لا يجوز لأخذ الأجرة على الصلاة والصيام - نعم يجوز للإنسان أن يتبرع بثواب هذه العبادات لغيره حيا أو ميتا بدون استنابة ولا تأخير فيرجى أن يصل ثوابها إليه فإذا تبرع إنسان بقراءة القرآن للميت وجعل ثوابه له جاز سواء كانت القراءة عند القبر أو بعيدا عنه ففى وصايا الولوالجية لو زار قبر صديق أو قريب له وقرأ عنده شيئا من القرآن فهو حسن انتهى. وفى خزانة المفتين ولو زار قبر صديق له فقرأ عنده لا باس به انتهى - وقد نقل عن الإمام القول بكراهة القراءة عند القبر وهو رواية والكراهة فيه يظهر أنها تنزيهية وينبغى أن يعلم أن الكلام هنا فى مقامين أحدهما قراءة القرآن تبرعا وإهداء ثوابها إلى الميت والثانى الاستئجار على القراءة للميت أو لغيره والأول جائز والثانى ممنوع فقد نصوا على أن التبرع بالقراءة وإهداء ثوابها للميت بمثابة الدعاء إذ القارىء يسأل الله أن يجعل الثواب للميت ولا ضير فى ذلك ولا نيابة فيه. ونصوا على أن القارىء للدنيا وهو الذى يقرأ لأجل لاثواب له والآخذ والمعطى آثمان (شفاء العليل) وعند أهل المدينة يجوز أخذ الأجرة على التلاوة وبه أخذ الشافعى ونصير وعصام وأبو النصر الفقيه وأبو الليث (مغنى) ولعله لضرورة إحياء القرآن والحث على تلاوته ولما ذكره ابن فرحون ولحصول البركة بقراءته ففى صحيح مسلم عن أبى هريرة وما اجتمع قوم فى بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده وقال النووى إن التقييد بالمسجد خرج مخرج الغالب لاسيما فى ذلك الزمان فلا يكون له مفهوم يعمل به.
(9) وسواء أكانت القراءة عند القبر أو بعيدة منه.
(10) أى فى قول كما تفهمه العبارة الآتية.

د. حسنين محمد مخلوف مفتى الديار المصرية.
الجمعة 13 من شوال سنة 1366 هـ