بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
التذكرة
فى الموت وأحوال الأخرة
أحياء ذكرى الميت وزيارة القبور ومدة الحداد

أحياء ذكرى الميت ومدة الحداد
ان الناس قد اعتادوا أمور كثيرة فى المآتم وغيرها. ولم يعتمدوا فى أكثرها إلا على مجرد الاستحسان الشخصى أو الطائفى - وأخذت هذه العادات تنتقل من جيل إلى جيل حتى عمت وصارت تقاليد يأخذها حاضر الناس عن ماضهيم ناظرين اليها الى أنها سنة الآباء والأجداد ولم يجدوا من ينكر المنكر منها عليهم ولعلها وجدت من يبيحها أو يستحسنها ويقويها - ففعلها واعتادها غير المتفقين وسايرهم فيها المتفقهون واحتملوا اثمها واثم من ابتكرها وفعلها إلى يوم الدين. وجاء الإسلام وللناس عادات بعضها حسن طيب مفيد فأقرها وبعضها سئ خبيث ضار فأنكرها وحاربها وألغاها وهذا هو شأن الإسلام فى كل ما جد ويجد فى ظله من عادات. الحسن يقره ويسميه. ( سنة حسنة ) وجعل لمن سنها أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة والسئ يدفعه وينكره ويسميه ( سنة سيئة ) وجعل على من سنها وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة. وان ما يقوم به أهل الميت من خميس صغير وكبير وذكرى الأربعين والذكرى السنوية للمتوفى والخروج للمقابر فى المواسم والأعياد كل ذلك من البدع المذمومة التى لا أصل لها ولا سند لها فى الشرع الإسلامى لا فى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا فى عهد الصحابة رضوان اله عليهم ولم يؤثر عن التابعين وهذه أمور مستحدثة منذ عهد قريب وفيها من المضار ما يوجب النهى عنها. من ضياع للأموال فى غير وجهها المشروع وربما كان أهل الميت فى حاجة ماسة اليه وفيه مع ذلك تجديد للأحزان وتكرار للعزاء وهو أمر غير مشروع لحديث ( التعزية مرة ) وتكون عند التشييع أو عند المقابلة الأولى لمن لم يحضر التشييع. لهذا نهيب بالمسلمين أن يقلعوا عن هذه العادات الذميمة التى لا ينال الميت منها رحمة أو مثوبة ولا ينال الحى منها سوى المضرة فليس لذلك أساس فى الدين ( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) أما ما ينبغى عمله لأجل الميت فمن المتفق عليه ان الميت ينتفع بما كان سببا فيه من أعمال البر فى حياته. قال صلى الله عليه وسلم ( اذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية، أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له ) وكذلك يلحقه ثواب مصحف ورثه أو مسجد بناه، أو بيت بناه لابن السبيل أو صدقة أخرجها من ماله فى صحته. وكذا ينتفع بأعمال غيره اذا دعا له واستغفر - والصدقة عليه كمساعدة المحتاج واطعام الجوعان وارواء الظمآن لكل ذلك ثواب يصل إلى الميت ولا يشترط ذلك عند المقابر فاذا دعى له أو تصدق عنه فى أى مكان وصل له ثواب الصدقة. وكذلك الحج عنه وقراءة القرآن بخشوع وتدبر واخلاص ويقول القارى بعد فراغه اللهم أوصل مثل ثواب ما قرأته إلى فلان ولا يشترط فى القراءة أن تكون عند القبر وانما تجزئ فى أى مكان ويشترط أن تكون من انسان يعى كلام الله ويقرؤه بصدق واخلاص ولا يتأتى هذا الا من ولده أو قريب له أو مخلص له ، فأفضل ما يهدى للميت سقى الماء واطعام الطعام والدعاء والاستغفار له بصدق من الداعى واخلاص منه ، أما عن زيارة المقابر فانها مستحبه للرجال لقوله صلى الله عليه وسلم ( كنت نهيتكم عن زيارة القبور ، فزوروها فانها تذكركم الآخرة ) ولما كان المقصود من الزيارة التذكرة والاعتبار فقد رخصها أكثر العلماء للنساء لحديث عائشة : كيف أقول لهم يا رسول الله - أى عند زيارتها للقبور قال : ( قولى السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين - ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين وانا ان شاء الله بكم لاحقون ). ويشترط فيها للنساء أمن الفتنة منهن وعدم اشتمالها على محرم من ندب ونياحة وخلاعة ومجون أما إذا كانت زيارة النساء للمقابر لا يؤمن منها الفتنة او اشتملت على محرم فانها تحرم ويمنع منها النساء منعا باتا حتى لا يؤذين الأموات بخلاعتهن وسفورهن وهيئتهن الفاضحة حيث يختلط الرجال بالنساء والشبان بالشابات ويأكلن ويشربن ويقمن ويقعدن على المقابر فاذا كانت الزيارة بهذه المثابة فتركها محتم لأن ضررها أشد وأعظم. وعلى هؤلاء الزائرات تنزل اللعنات من الله والملائكة وتحفهم الشياطين من كل جانب وعلى تلك الزيارة يحمل الحيث النبوى الشريف ( لعن الله زوارات القبور ) فاللعن المذكور فى الحديث انما هو للمكثرات من الزيارة ولعل السبب ما ينفى اليه ذلك من تضييع حقوق الزوج والأولاد وخروجهن متبرجات فاذا أمن جميع ذلك فلا مانع من الأذن لهن لأن تذكر الموت يحتاج اليه الرجال والنساء. وزيارة المقابر ليس لها وقت محدد فى مستحبة فى كل وقت لتحقيق العظة والاعتبار ونرى عدم استحبابها خاصة للنساء أيام عيدى المسلمين فانها أيام سرور فلا داعى لتجدد الأحزان فيها. أما عن الاحداد على الميت : فالاحداد الشرعى : هو ترك لبس ما فيه زينة من الثياب وترك الكحل والطيب والحلى وما أشبه ذلك. وهو مباح لمدة ثلاثة أيام بلياليها من الوفاة على من مات من الأقارب ويحرم بعد ذلك. ما لم يكن الميت زوجا فان امرأته تحد عليه أربعة أشهر وعشرة أيام وجوبا لقوله صلى الله عليه وسلم ( لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد فوق ثلاثة أيام إلا على زوجها فانها تحد أربعة أشهر وعشرا ). والله سبحانه وتعالى أعلم.
من فتاوى فضيلة الشيخ محمد مجاهد

بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
التذكرة
فى الموت وأحوال الأخرة
زيارة القبور وأحكام المقابر

أن زيارة القبور فى ذاتها مندوبة للرجال والنساء لقوله عليه الصلاة والسلام (كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها) وأما قوله عليه الصلاة والسلام (لعن اللّه زائرات القبور) فهو إما منسوخ لحديث كنت نهيتكم أو محمول على ما إذا كانت زيارتهن للقبور لتجديد الحزن والبكاء والندب على ما جرت به عادتهن، وأما إن كانت زيارتهن للاعتبار والعظة والترحم من غير بكاء والتبرك بزيارة الصالحين فلا بأس بها من النساء إذا كن عجائز، ويكره إذا كن شواب لحضور الجماعة فى المساجد، قال ابن عابدين وهو توفيق حسن. وأما المبيت على القبور أيام المواسم والأعياد من الرجال والنساء والأطفال والأكل والشرب فهو مكروه قال فى الفتح ويكره الجلوس على القبر ووطؤه. وحينئذ فما يصنعه من دفن حول أقاربه خلق من وطء تلك القبور إلى أن يصل قبر قريبه مكروه. ويكره النوم عند القبر وقضاء الحاجة بل أولى. وكل ما لم يعهد من السنة، والمعهود منها ليس إلا زيارتها والدعاء عندها قائما. وفى الأحكام عن الخلاصة وغيرها لو وجد طريقا إن وقع فى قلبه أنه محدث لا يمشى عليه وإلا فلا بأس. وفى خزانة الفتاوى عن أبى حنيفة لا يوطأ القبر إلا لضرورة ومن أرض بعيد ولا يقعد وإن فعل يكره. وقال بعضهم لا بأس بأن يطأ القبور وهو يقرأ أو يسبح ويدعو لهم. وقال فى الحلية ويكره الصلاة عليه (أى القبر) وإليه لورود النهى عن ذلك. ثم ذكر عن الإمام الطحاوى أنه حمل ما ورد من النهى عن الجلوس على القبر على الجلوس لقضاء الحاجة، وأنه لا يكره الجلوس لغيره جمعا بين الآثار، وأنه قال إن ذلك قول أبى حنيفة وأبى يوسف ومحمد، ثم نازعه بما صرح به فى النوادر والتحفة والبدائع والمحيط وغيره من أن أبا حنيفة كره وطء القبر والقعود أو النوم أو قضاء الحاجة عليه لأنه ثبت النهى عن وطئه والمشى عليه وتمامه فيها. وقيد فى نور الإيضاح كراهة القعود على القبر بما إذا كان لغير قراءة قلت وتقدم أنه إذا بلى الميت وصار ترابا يجوز زرعه والبناء عليه، ومقتضاه جواز المشى فوقه ثم رأيت العينى فى شرحه على صحيح البخارى ذكر كلام الطحاوى المار ثم قال فعلى هذا ما ذكره أصحابنا فى كتبهم من أن وطء القبور حرام وكذا النوم عليها ليس كما ينبغى فإن الطحاوى هو أعلم الناس بمذاهب العلماء ولا سيما بمذهب أبى حنيفة. قلت لكن قد علمت أن الواقعة فى كلامهم التعبير بلفظ الكراهة لا بلفظ الحرمة، وحينئذ فقد يوفق بأن ما عزاه الإمام الطحاوى إلى أئمتنا الثلاثة من حمل النهى على الجلوس لقضاء الحاجة يراد به نهى التحريم، وما ذكره غيره من كراهة الوطء والقعود الخ يراد به كراهة التنزيه فى غير قضاء الحاجة وغاية ما فيه إطلاق الكراهة على ما يشمل المعنيين هذا كثير فى كلامهم، ومنه قولهم مكروهات الصلاة وتنتفى الكراهة مطلقا إذا كان الجلوس للقراءة كما يأتى واللّه سبحانه أعلم انتهى - من رد المحتار بصحيفة 945 جزء أول طبعة أميرية سنة 1286، ونقل مثل هذا الخلاف فى الهندية بصحيفة 351 جزء خامس، وزاد نقلا عن ابن مسعود رضى اللّه عنه لأن أطأ على جمر أحب إلى من أن أطأ على قبر، وعن علاء الدين الترجمانى أنه قال يأثم بوطء القبور لأن سقف القبر حق الميت، وعن شمس الأئمة الحلوانى
أن بعض العلماء رخص المشى على القبور انتهى - ونقول إن العلماء قد اختلفوا فى هذه المسألة كما ترى، والأحوط كراهة وطء القبور لما تقدم عن الفتح من أن كل ما لم يعهد من السنة مكروه، وأن المعهود منها ليس إلا زيارتها والدعاء عندها قائما، وقد بين ذلك فى الهندية فقال وإذا أراد زيارة القبور يستحب له أن يصلى فى بيته ركعتين يقرأ فى كل ركعة الفاتحة وآية الكرسى مرة واحدة والاخلاص ثلاث مرات ويجعل ثوابها للميت يبعث اللّه تعالى إلى الميت فى قبره نورا، ويكتب للمصلى ثوابا كثيرا ثم لا يشتغل بما لا يعنيه فى الطريق، فإذا بلغ المقبرة يخلع نعليه ثم يقف مستدبرا القبلة مستقبلا لوجه الميت ويقول السلام عليكم يا أهل القبور يغفر اللّه لنا ولكم أنتم لنا سلف ونحن بالأثر. كذا فى الغرائب. وإذا أراد الدعاء يقوم يستقبل القبلة كذا فى خزانة الفتاوى. وإن كان شهيدا يقول سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار، وإذا كانت قبور المسلمين مختلطة بقبور الكفار يقول السلام على من اتبع الهدى، ثم يقرأ سورة الفاتحة وآية الكرسى، ثم يقرأ سورة إذا زلزلت وألهاكم التكاثر كذا فى الغرائب. من الهندية بصحيفة 350 جزء خامس. فهذه هى كيفية الزيارة الشرعية للرجال والنساء. وأما اختلاط الرجال بالنساء فقد قال ابن حجر فى فتاويه ولا تترك (أى الزيارة) لما يحصل عندها من منكرات ومفاسد كاختلاط الرجال بالنساء وغير ذلك لأن القربات لا تترك لمثل ذلك. بل على الإنسان فعلها وإنكار البدع بل وإزالتها إن أمكن. قلت ويؤيده ما مر من عدم ترك اتباع الجنازة وإن كان معها النساء والنائحات انتهى - من رد المحتار بصحيفة 942 جزء أول. ومن ذلك يعلم أن الواجب منع المنكرات على اختلاف أنواعها مطلقا فى المقابر وفى غيرها. كما أن الواجب منع اتخاذ المراحيض فى القبور والتبول فى المقابر، وأما شرب الخمر وارتكاب جريمة الزنى فهذا حرام ومنكر شنيع، ويجب منع كل ذلك فى المقابر وفى غيرها بإجماع المسلمين واللّه تعالى أعلم.
من فتاوى فضيلة الشيخ محمد بخيت